فهرس الكتاب
ومن مقاصد القرآن تقويم الطباع التي تنزع إلى الأذى وتبعث على التقاطع، فجاءت هذه الآية تأمر الإنسان بأن يسلك في دفع خصمه الطريقة التي هي أجمل؛ رجاء أن يكون لهذه المجاملة أثر صالح، هو قلب العداوة ألفة وصداقة.
ومن أمثلة هذا الوجه قوله _تعالى_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] (الحجرات:6) .
أمر بالتثبت فيما ينقله الفاسق؛ حذرًا من أن يكون حديثًا مفترى، فيكون العمل عليه على جهالة، وعاقبة عمل الجاهل ندامة وخسران، وكم من بلاء يلحق الأشخاص أو الجماعات من اندفاعهم إلى العمل على خبر الفاسق قبل أن يتبينوا.
وانظروا إن شئتم إلى قوله _تعالى_: [وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ] (التوبة:8) .
فهذه الآية نصيحة للأمة بأن لا ينخدعوا لقولٍ لَيِّنٍ، ووعدٍ مؤكَّد يبذله لهم العدو، فيركنوا إليه بقلوبهم، ولا يأخذوا منه حذرهم؛ فإذا هو يبسط عليهم سلطانًا طاغيًا، ويريهم أنه ألان لهم القول خادعًا، وقطع لهم العهد غادرًا.
وإن هذه النصيحة لمن أبلغ النصائح التي تقوم عليها حياة الأمة وعظمتها، ولو حفظها المسلمون في سويداء قلوبهم، وجعلوها بمرأى من أبصارهم _ لاستقاموا على عزتهم، ولم يفقدوا شيئًا من حريتهم.
ويدخل من قبيل حِكَم القرآن ونصائحه عنايته بمكارم الأخلاق، فهو مملوء بالحثِّ على نحو الصدق، والحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والعدل، والوفاء.
تلك الأخلاق التي تقوم عليها قواعد العمران، وتتأكد بها روابط التوادد والاتحاد، وبها تحرز الأمة قوة معنوية وأخرى مادية، فلا يجد أعداؤها الطريق إلى أن يطئوا موطئًا يغيظها.