فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 181

وهل في ميسور ذلك البائس (1) الذي يجحد عظمة محمد"أن يدلنا على رجل ألَّف بين أمة متفرقة، ثم أفاض عليها حكمة بالغة، وأقام فيها شريعة عادلة، وجعلها وهي فئة قليلة تظهر على الأمم الكثيرة دون أن تكون أكثر منها مالًا، وأجود منها سلاحًا."

ثم إذا نظرنا إلى هذه المصلح الكبير، والمشرِّع الخطير، والمجاهد الظافر _ نجده طلق اليد إذا بذل، واسع الحلم إذا أوذي، صادق اللهجة إذا حدّث، وبعبارات أوجز نجده المثل الأعلى لكل خصلة تطمح إليها الهمم الكبيرة.

إنْ هذا إلاَّ محمد بن عبدالله الذي بعثه الله في الأميين رسولًا.

وقد دلَّ أبو بكر الصديق ÷ على أن خلقه _ عليه الصلاة والسلام _ بالغ من الكمال غاية تنقطع دونها الآمال، فقال حين تشاغل بحرب أهل الردة واستبطأته الأنصار =أما كلفتموني أخلاق رسول الله"فوالله ما ذاك عندي ولا عند أحد من الناس+."

المعجزات المحسوسة:

الإسلام دين عام يتوجه الخطاب به إلى كل قبيل، ولا يختص به جيل دون جيل، ومن أجل هذا جعل الله _تعالى_ لصدق المبعوث به دلائل تدرك بالعقل، حتى يمكن للأجيال على اختلاف أزمنتها أن تهتدي بها، فيكون إيمانها عن بينة لا عن تقليد، وقد عرفنا أن هذه الدلائل ترجع إلى ما احتواه الكتاب العزيز من حكمة وبلاغة، ثم إلى أخلاق الرسول وسيرته العملية المنقولة إلينا على طرق صحيحة.

وهناك نوع ثالث من أعلام النبوة شهده الناس الذين أدركوا عهد البعثة نسميه المعجزات المحسوسة، وشأننا في هذا أن نضيفه إلى تلك الدلائل المعقولة متى كان سنده صحيحًا ووسعته دائرة الإمكان.

ولهذا النوع من المعجزات أثر في زيادة الإيمان وإن نقل إلينا على طرق الآحاد، فإن أخبار الآحاد المستوفية لشروط الصحة يفيد كل واحد منها ظنًا قويًا، والدلائل الظنية إذا تعددت وأخذ بعضها برقاب بعض أصبحت بجملتها كالخبر المتواتر، لا تقصر عن أن تضع في النفس اعتقادًا جازمًا.

(1) المقصود علي عبدالرازق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت