فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 181

وبالنظر في أحاديثه _ عليه الصلاة والسلام _ تجده ينحو في كلامه، وخطه، ومراسلاته نحو الإيجاز؛ فهو الغالب في أقواله، وربما خطب فأطنب.

قال أبو سعيد الخدري: خطب النبي"بعد العصر خطبة قال فيها: =ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون+."

قال: ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف (1) .

ومن متممات الفصاحة أن لا يعجل بالكلام، بل يلقي الكلمات مفصلة حتى تقع في الذهن كلها كأنها عقد جيد تنسيقه (2) .

وكان"يلقي الكلام مفصلًا، قالت عائشة _ رضي الله عنها _: =ما كان رسول الله"يسرد سردكم هذا، ولكن كان إذا تكلم بكلام بَيَّنه؛ فيحفظه من يجلس إليه+.

وقالت أم معبد تصف حديث رسول الله: =حلو المنطق، كأن منطقه خرزات نُظِمْنَ+.

سمت بلاغة رسول الله"إلى الذروة، ولكنها لم تبلغ حد الإعجاز الذي هو خاص بالقرآن المجيد."

والفرق بين بلاغة الحديث وبلاغة القرآن لا يخفى على ذوي الفطر السليمة، لا سيما الذين دربوا فنون

البلاغة، وقلبوا أنظارهم في أساليبها المختلفة، وعرفوا كيف يضعون كل كلام بليغ في مرتبته.

وهذا التفاوت الواضح بين القرآن والحديث من أصدق الشواهد على أن القرآن الكريم كتاب نزل من السماء، لا أنه من صنع النبي"كما يزعم من يجحدون بآيات الله."

وقد أجاز كثير من المُحَدِّثين رواية الحديث بالمعنى، ولو التزم جميع الرواة نقل الأحاديث باللفظ كما نطق بها الرسول"لعرفنا من فصاحته، وبراعة بيانه أكثر مما عرفنا."

(1) السعف: جمع سَعَفة (بفتحتين) وهو غصون النخل.

(2) لعل في الكلام سقطًا وهو: عِقْدُ جِيْدٍ أحسن ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت