وإلى قوله فيما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من الإخاء والتراحم: =مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى+.
وهكذا نرى في تشابيهه، واستعاراته سهولةَ مأخذٍ، وبعدًا عن التصنع، وإبداعًا في إعطاء المعنى صورة تجعله أوضح ما تكون، أو تزيد النفوس ترغيبًا فيه، أو تنفيرًا منه؛ فانظروا إلى قوله يصف الشريعة الغراء: =قد تركتم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك+.
وفي الناس من إذا خطب في الجمهور، رأيته في درجة عالية من حسن البيان؛ فإن عرض له حديث مع بعض الأفراد، أو حديث في معان قريبة التناول رأيته قد انحط إلى درجة دون الدرجة الأولى.
أما حديث رسول الله"مع الإفراد في المعاني السهلة الفهم فإنه لا ينزل عن مرتبة بلاغته العليا."
يقول"في بعض خطبه: =من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كان همه الدنيا فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له+."
وهذا طرز فصاحته في المعاني التي تجري على الألسنة كثيرًا، كقوله في الاستعداد للسفر: =إني على جناح سفر+.
وقوله في معنى الموت على الفراش: =من مات حتف أنفه (1) في سبيل الله فهو شهيد+.
وهذه الكلمة من الكلمات التي لم تعرف في حديث قبل حديث رسول الله (2) .
وقد عقد ابن دريد في كتاب المجتبى بابًا للألفاظ التي سمعت من النبي"ولم تسمع من أحد قبله."
(1) أي مات على فراشه من غير قتل، ولا غرق، ولا حرق.
(2) البيت المعروف:
وما مات منا سيد في فراشه
ولا طل منا حيث كان قتيل
وقد روي:
وما مات منا سيد حتف أنفه
وإنما تصح هذه الرواية إذا قلنا: إن القصيدة لعبدالملك بن عبدالرحمن الحارثي وهو شاعر إسلامي لا للسموأل الذي هو شاعر جاهلي.