فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 181

أما الوليد بن المغيرة فقد وقف مستهينًا بالرسول يقول: أينزل على محمد وأُترك, وأنا كبير قريش وسيدها؟ ويُتْرَكُ أبو مسعود بن عمر سيد ثقيف ونحن عظيما القريتين، إن هذا لغير معقول, وقد أجابه الله _تعالى_ بقوله: [وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) ] (الزخرف) .

هكذا كانوا يعاملون الرسول"لا يرعون حرمته, ولا يجاملون أهله وقرابته، ولا يترفقون به, حتى كان في مناجاته ربه يهتف بصوت يخنقه الألم."

الَّلهم إنِّي أَشْكُو إلَيكَ ضَعْف قُوَّتي, وَقِلة حيلتي، وهواني عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحمين! أنْتَ ربُّ المُستَضعَفِين، وأَنْتَ رَبِّي فَإلى مَنْ تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهَّمُني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أُبالي .. +

ولم يكن العذاب منصبًا على الرسول وحده, بل لعل ما عاناه _على قسوته_ كان أخف كثيرًا إذا قيس بنصيب أصحابه من العذاب.

فقد لقي بلالُ بن رباح من أذى أُمَيَّةَ بن خلف ما يعرفه الصبية في معاهدهم حتى قال له أبو بكر يومًا: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حَتَّى متى؟

قال أمية: أنت الذي أفسدته فإن شئت فَأَنْقذهُ, فأنقذه الصديق وأعتقه.

ولقي عمار بن ياسر وأمه وأبوه من بني مخزوم من الأذى مالا يكاد يوصف.

ولم يكن الرسول"يملك إلا أن يقول لهم حين يراهم قولته الشهيرة: =صَبْرًا آلَ يَاسِر؛ فَإنَّ مَوْعِدَ كم الجَنَّة+."

فلما تمادى المشركون في طغيانهم, وأحس الرسول من نفسه العجز عن حماية أصحابه، ورَفْع الضُّرِّ عنهم آذنهم بالهجرة, وكان مهجرهم الأول خارجَ حدود الجزيرة إلى أرض الحبشة.

بل إن الرسول هو الذي اختار المكان لهم حين قال: =لَوْ خَرَجْتُم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكتً لا يظلم عندهُ أحدٌ, حتَّى يَجْعَلَ الله لكم فَرجًا مِمَّا أنتم فيه+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت