فأما المهاجرون فمن أهل مكة، وأهل مكة وإن لم تكن لهم سابقة في الحرب؛ إذ كان العرب مسالمين لهم، إلا أن الفئة الذين آمنوا منهم قد أكسبهم الإيمان واليقين بالله؛ والغيرة على الحق، والحنق على المشركين _ إقدامًا على الانتصار للدين، ظهرت بوادره في صبرهم واستخفافهم بعداوة أعدائهم.
وقد أيَّد الله المسلمين في مدينتهم بعصمة الهيئة من أن يتطرَّقها ما يفسد أهلها. ففي الحديث أن =على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال+ وفي الحديث =المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها+.
وأما كونهم فضلاء فلكي لا يختل فضل المجموع باختلال فضيلة أجزائه، وقد أشرنا على فضل المجموع الذي تتركب منه مدينة الرسول آنفًا.
ونريد أن ننبه هنا على أن أهل المدينة الفاضلة لا يكونون في الفضل سواسية، ولكن يشترط أن يكون الفضل متأصلًا في نفوسهم، وجماع ذلك هو الطاعة لولي أمرهم، وقد كان المسلمون في الطاعة للرسول أفضل مثل لأمة في طاعة قائدها؛ فكانوا إذا أمرهم رسول الله أمرًا في الشؤون العامة؛ والقضايا الخاصة، امتثلوا، سواء وافق مرغوبهم أم لا.
قال الله _ تعالى _ [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ] الأحزاب: 36.
وقال سهل بن حنيف: لقد رأيتُنا يوم أبي جندل _ يوم صلح القضية _ ولو نستطيع أن نرد على رسول الله أمره لفعلنا، والله ورسوله أعلم.
وقال _ تعالى _: [فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا] النساء: 65.
أراد بالحرج المنفي حرجَ توهمِ أن يكون قضاءُ الرسول غيرَ عادل.