وليس هذا الحكم بقادح في أصل حرية الاعتقاد؛ لأن الداخل في الإسلام قد كان على حريته في اعتقاده قبل دخوله فيه، فلما دخل في الإسلام صار غير حرٍّ في خروجه منه؛ لقيام معارض الحرية؛ لأن الارتداد يؤذن بسوء طوية المرتد من قبل؛ فإنه لا يتصور أن يجد بعد إيمانه دينًا آخر أنفذ إلى القلب من الإيمان، فتعين أن يكون دخوله في الإيمان لقصد التجسس، أو لقصد التشويه بالدين في نظر من لم يؤمنوا به؛ ليوهمهم أنه دين لا يستقر متبعه عليه بعد أن يعرفه؛ لأن معظم الناس أغرار تغرهم الظواهر، ولا يغوصون إلى الحقائق.
وكما استدل هرقل على صدق نبوة محمد"بسؤاله أبا سفيان =هل يرتد أحد من أتباع محمد بغضة لدينه بعد أن يدخل فيه+ فأجابه أبو سفيان _ وهو يومئذ مشرك _ بأن لا، فقال هرقل: =وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب+."
فكذلك يعكس الكائد للإسلام وجه الاستدلال، فيجعل من ارتداد الداخل في الإسلام دليلًا وهميًَّا على صحته.
وقد يكون الارتداد لمجرد الاستخفاف والسخرية بالإسلام.
وحرمة الله توجب الذب عن دينه في مثل هذا، على أن عدم المؤاخذة به يفضي إلى انحلال الجامعة كما وقع في ردة العرب لو لم يؤخذوا بالصرامة.
أما حرية الاعتقاد نحو غير الداخلين في الإسلام فلم يحمل الإسلام أهل الملل على تبديل أديانهم، بل اقتنع منهم بالدخول تحت سلطانه، وبدعائهم على الدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
ومعلوم أن الدخول تحت سلطان الإسلام ليس متعلقًا بالاعتقاد ولا بالعمل، ولكنه راجع إلى حفظ أمن دولة الإسلام، إذ الإسلام دينٌ قرينُ دولة؛ فكان من موجباتِ حفظِ بقائه تأمينُه من غوائل الناقمين على ظهوره.