ومن حرية القول حرية العلم والتعليم، ومظهرها في الإسلام في حالين: الحال الأول: الأمر ببث العلم بقدر الاستطاعة؛ فقد أمرنا ببث القرآن وتعليمه، وببث الآثار النبوية؛ ففي الحديث الصحيح: =نضَّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه+.
=وفي خطبة حجة الوداع، ليبلغ الشاهد الغائب+.
وقد أمر الخليفة الثالث بنسخ المصاحف وأرسل بها إلى أقطار الإسلام، وجعل النبي"يوما في الأسبوع لتعليم النساء، وأُسِّست المكاتب لتعليم الصبيان من عهد أبي بكر أو عمر، ثم قد وردت أحاديث في فضل العبيد والإماء."
ووراء هذا مرتبة أخرى في العلم والتعليم وهي مرتبة الاستنباط في العلم، فقد دعا الإسلام إليها، وأوجبها على من بلغ رتبة المقدرة عليها في الأحكام الشرعية وهي مرتبة الاجتهاد بمراتبه.
قال علماؤنا: إنها من مشمولات أمر الوجوب في قوله _ تعالى _: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ] التغابن:16، وغيره من آيات القرآن.
وفي الحديث: =من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد+.
وأَيَّةُ حريةٍ للعلم أوسع من هذه؛ إذ جعل الأجر على الخطأ؟.
الحال الثاني: تخويل أهل العلم نشر آرائهم ومذاهبهم وتعليمها مع اختلافهم في وجوه العلم، واحتجاج كل فريق لرأيه ومذهبه، وحرصهم على دوام ذلك تطلبًا للحق؛ لأن الحق مشاع.
ولقد قال أبو جعفر المنصور للإمام مالك بن أنس: =إني عزمت أن أكتب كتبك هذه _ يعني الموطأ باعتبار أبوابه _ نسخًا ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها+.
فقال مالك: =لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم من اختلاف أصحاب رسول الله"وغيرهم، وإن ردهم عن ذلك شديد فدع الناس وما هم عليه+."