الصفحة 108 من 139

إن افترضنا أنه أعمت عينه تلك الغشاوة، فهل عميت أيضًا عن عشرات ومئات القتلى يوميًا في سوريا وغيرها بصواريخ وطائرات الغرب (المتحضر الراقي المتمدن) ؟

إذن ... الغشاوة العاطفية والنفسية للأسف الشديد تفعل الأفاعيل بصاحبها، والله المستعان.

رابعًا:

بيان أنه ليس من الحكمة للمسلم عمومًا (وكذلك أي إنسان) ، ولأصحاب القلوب الرقيقة خصوصًا: أن يتتبعوا مشاهد القتل والتعذيب والتمثيل بالجثث والمسلمين وغيرهم وتتبع تفاصيل ذلك والفيديوهات الأليمة، فهذا ليس من الحكمة بمكان ولا من العقل ولا المنطق إذ:

ماذا سيجنيه فاعل ذلك إلا الحزن القاتل؟ أو التثبيط المُقعد عن العمل أو الجهاد أو السعي؟ أو أخيرًا (وهذا المهم في موضوعنا هنا) الفتنة في الدين والتسخط أو الردة والإلحاد والعياذ بالله؟!

وكذلك فأصحاب هذه القلوب الرقيقة لم ينتبهوا إلى وجود الفتن والابتلاء الشديد في القرآن للأنبياء وللمؤمنين (رغم أنهم صفوة الله من خلقه) ، بل ولم ينتبهوا إلى سورة البروج وعذاب المؤمنين فيها الذي يحكيه الله عز وجل تحت سمعه وبصره:

"النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود"سورة البروج.

فظنوا بجهلهم أن النبوة أو إيمان المؤمنين يمنعهم من القتل أو التعذيب (ولاحظوا كم مرة ذكر الله في القرآن فقط قتل أنبيائه) !! ونسوا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل"!! رواه الإمام أحمد وغيره.

وإلا: فكيف سيكون لهم أعلى الدرجات في الجنة بعد أن ينسون كل آلام الحياة والدنيا وما فيها وما عليها بجوار ربهم الكريم؟! ومن هنا ...

فليس من الحكمة لأصحاب هذه القلوب (ولا لغيرهم) تتبع مثل هذه القصص والفيديوهات للأسف، إذ يكفي فقط العلم بها والإلمام بأحوالها، ولننظر إلى حكمة رسول الله ورحمته وفهمه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح التالي في مسند الإمام أحمد وغيره عن عروة قال:

"أخبرني أبي الزبير رضي الله عنه أنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى (أي تصل إليهم وتراهم) قال: فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن تراهم، فقال: المرأة المرأة. قال الزبير رضي الله عنه: فتوسمت أنها أمي صفية (وهي عمة النبي وأخت حمزة رضي الله عنهما) ، فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى"!!

فانظر كيف منعها من رؤية القتلى؟ إن بعض المشاهد تنطبع في النفس والذاكرة، فلا تمحوها الأيام، ولا تورث إلا القهر والحزن المتواصل للأسف، إذن ... الإسلام دين واقعي، دين عملي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت