الصفحة 104 من 139

2 )) القلوب الرقيقة وقسوة الابتلاء

لا شك أن (رقة القلب) هي من الأشياء المحمودة في الإنسان، ذلك أنه يتصف بالشفقة واللين والانفعال لآلام الآخرين، سواء كان الآخرين بشر أو حيوانات، لكن المشكلة هنا هي في انقلاب الرقة إلى أكبر باب للتسخط على أقدار الله عز وجل، بل والطعن في رحمة الله تعالى نفسه وإلصاق شرور العالم والآلام والمعانة به.

لقد تحدثنا من قبل بشكل مختصر عن مشكلة الشر في العالم (ولا زلنا سنفرد لها كتابات كاملة بإذن الله) ، وكذلك تحدثنا عن الفرق بين إرادتين لله تعالى، إرادة شرعية (أي التي يحبها عز وجل ويأمر بها مثل التخفيف والتيسير على المسلمين مثلًا) وإرادة كونية (أي التي يترك بها الفرصة لوقوع الضر والمكروه والمعاناة وشر الأشرار ليمتحن به الناس مؤمنهم وكافرهم) ، إذ كما قلنا من قبل أنه من كمال عدل الله أنه لا يؤاخذ الناس بمجرد علمه النافذ فيهم، ولكن يترك لهم الفرصة بالابتلاءات والامتحانات ليظهر خير الأخيار وشر الأشرار فعليًا، ثم يؤاخذهم به ساعتها، وإلا تخيلوا مثلًا أنه يعلم حقيقة الأشرار بعلمه النافذ في النفوس فقام بإدخالهم النار مباشرة من قبل أن يعملوا أي عمل! ألن يقولوا له وقتها أنت عذبتنا دون أن نفعل شيئًا؟! ورغم أنهم لا يمثلون ذرة في ملكه عز وجل ولا يؤثر فيه اعتراضهم، إلا أنه من كمال عدله سبحانه ألا يكون لأحد عليه حُجة قبل عذابه أو اعتراض على نعيم الآخرين وثوابهم.

ومن هنا ...

فنحن أمام نقطة من أكبر النقاط الفارقة بين الإيمان والإلحاد، بين الإيمان الذي ينظر إلى الأحداث بعينين: عين الدنيا وعين الآخرة (الثواب والعقاب والخلود) ، وبين الإلحاد الذي ينظر بعين واحدة فقط إلى الدنيا (فلا يرى إلا الآلام والمعاناة والشرور) دون أن يرى ثوابًا ولا عقابًا أو يؤمن بهما!! ويا له من وضعٍ بئيسٍ لمَن كان هذا ظنه بعدل الله ورحمته!! بل الأعجب أن نظرته تلك وتسخطه على الله لن يغيران شيئًا من وجود ووقوع الشر والآلام والمعاناة!! فلن يتوقف كل ذلك عندما (يلحد) بالله! وإنما هو الذي سيخسر نفسه ساعتها.

إذن ...

اصطناع الشبهات عزفًا على وتر الابتلاء وإبراز الشرور التي في العالم والألم والمعاناة (وخاصة للأطفال والضعفاء والمرضى) هو من أكبر أبواب الإلحاد، بل هو الباب العام الذي لا يتوقف على درجة معينة من التعليم أو الفهم أو الجنس أو السن، وذلك بعكس الشبهات الفلسفية الأخرى أو الشبهات العلمية الفيزيائية أو التطور وغيرها، والتي لا يفهمها إلا القليل. ولكن يبقى السؤال: هل يستطيع العلم لا الجهل أن يزيل ذلك المصدر للشبهات؟ والإجابة بكل تأكيد: نعم ... كل علم بالله وكل علم نافع يستطيع بسهولة جدًا إزالة هذه الشبهات إذا انصلح قلب صاحبها، ويمكن ذلك عن طريق بيان الآتي (سنذكره مختصرًا وسنتوسع فيه فيما بعد) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت