الصفحة 59 من 139

وفرق بين أن تقول أن إنسانًا مات مختنقًا (وتحلل سبب وفاته ماديًا وتجريبيًا وهو ما يسمى بالعِلة الفاعلة) ، وبين أن تعطي سببًا وغاية من موته فتقول: مات بسبب عقاب الإعدام على جريمته (وهو ما نسميه العلة السببية أو الغائية) .

جهل الماهية

معلوم أن لكل شيء جوهر وماهية تصف ذاته وما هو بالضبط، ولكن العجيب هنا أن أدوات العلم التجريبي أيضًا عاجزة عن إدراك الماهية!! بل هي في أغلب الأحيان لا تهمها أصلًا ولن تؤثر في نتائجها!! فمثلًا ... إذا أردنا صنع نهضة علمية في صناعة السيارات في بلادنا، وأتينا إلى أحد أعقد أجزاء السيارة وهو المحرك، وأردنا أن نفككه لنتعلم عنه كل شيء وكل تفصيلة لنصنع مثله ومن بعد ذلك نبدع في تطويره، فهنا: يأتي دور العلم التجريبي وأدواته ورجاله، حيث سيقومون برسمه أولًا على حالته السليمة، ثم البدء في تفكيكه جزءًا جزءًا، ثم رسم مكان كل جزء وإعطائه رقمًا حتى لا يتم فقد الترتيب والنظام للأجزاء معًا، وهكذا .... إلى أن يتم بالفعل فهم كل شيء عن المحرك وعمل مثله ومن ثم تطويره، وهنا السؤال:

هل شمل كل ما سبق أي إشارة إلى (صانع) هذا الموتور الذي فككوه؟!! هل شمل أي دراسة لشخصية وذات مَن (صممه) ؟؟ هل شمل أي تعرض لمَن الذي تولى (تركيبه) ؟؟ ماهيته؟؟ هل هو إنسان ركبه يدويًا أم مصنع ركبه ميكانيكيا؟!!

والإجابة:

كل تلك المعلومات عن (الماهية) لا تهم!!

ولم تؤثر على إنجاز العمل المادي في استخراج التفاصيل والتركيب للمحرك!!

بل، والأكثر من ذلك:

أن الإنسان منذ قديم الزمن وإلى اليوم معروف أنه يمكنه التعامل مع كل شيء قبل حتى الكشف عن ماهيته!! فالذين فككوا المحرك هنا قد يكونوا من القرن التاسع عشر وقبل معرفة معلومات عن الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات والفوتونات والليبتونات إلخ إلخ!! هم تعاملوا مع (أجزاء) المحرك المختلفة دون الكشف عن (ماهيتها) ومم تتكون في ذاتها أو ذراتها!! وكذلك قوة الجاذبية، يتعامل معها العلماء دون معرفتهم لكنهها أو ماهيتها (ولذلك افترضوا وجود جسيم الجرافيتون حامل لقوة الجاذبية) وهكذا ...

إذن الأمر غير محصور بالمحرك، بل بكل شيء من حولنا!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت