الصفحة 93 من 139

فالآية تبين هذا المعنى الشمولي لله تعالى وليس المقصود بها الجمع بين المتناقضات مما يستهوي بعض محبي التفلسف والظهور بالعمق الفكري الذي يزداد لديهم كلما اعتنقوا المستحيلات ليبدوا للعالم بأنهم أكثر المفكرين والعباقرة!!

إذن:

وحدة الوجود تنفي المفاصلة بين المخلوق والخالق وتزعم أنه لا موجود إلا شيء واحد فقط هو المخلوق وهو الخالق، ومن هنا نعلم أنها تختلف عن عقيدتين باطلتين أخريتين وهما عقيدة الحلول: أي أن الخالق يحل في المخلوق، وعقيدة الاتحاد: أي أن الخالق يتحد بالمخلوق أو المخلوق يتحد بالخالق، وكما نرى أنه حتى هاتين العقيدتين (أي الحلول والاتحاد) أخف ضلالًا من وحدة الوجود!! فعلى الأقل القائلين بالحلول والاتحاد (مثل النصارى وطوائف من الهندوسية والبوذية واليونانيين وغيرهم) يفصلون بين وجود الخالق وبين وجود المخلوق، بل: يعد مشركو مكة وعبدة الأصنام أنفسهم في هذا الصدد أخف ضلالًا من أدعياء وحدة الوجود لأنهم على الأقل قالوا في أصنامهم التي يعبدونها من دون الله:

"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"الزمر 3.

ما أسباب التفكير في هذه العقيدة الباطلة؟

إن الأسباب كثيرة وقديمة، ومنشأها كلها الابتعاد عن دين الله ووحي الرسل والأنبياء، فإن الإنسان عندما يبتعد عن الوحي: لا يقوده ساعتها إلا غروره بعقله أو بهواه ورأيه، ومعلوم تفاوت الناس في العقول والهوى والرأي: فضلًا عن محدودية عقل الإنسان ككل والذي لا يحيط بكل شيء علمًا (بل وبأقرب الأشياء من نفسه كالروح مثلًا فما بالنا بخالقها) !! ومن هنا، يمكننا الإشارة إلى (بعض) هذه الأسباب التي أدت إلى عقيدة وحدة الوجود كالتالي:

أولًا:

التفكير في ذات الله التي لا يعلمها أحد والتفكير فيما لم يطالبنا به وفوق قدرات العقل وهو: كيف يخلق الأشياء من العدم، إذ معلوم أن العدم (أي اللاشيء المحض) لا وجود له ولا يخلق الشيء نفسه من العدم (فهذا كله مستحيل عقلي وقد رأينا جانبًا من نقده عقليًا وعلميًا في كلامنا السابق عن تعدد الأكوان ومزاعم خلق الكون لنفسه من العدم!!) ، إذن: لما سلكت بعض العقول هذا الطريق من التفكير الذي لم يكلفنا الله به: ضلت وأضلت للأسف، فمنهم مَن قال بفيض الأشياء عن الله كأنها تصدر منه وعنه كالأشعة من الشمس (مثل الفارابي وابن سينا وغيرهما أخذوها من أفكار وثنية عند فلاسفة آخرين) ، ومنهم مَن قال بالجوهر والعرض (مثل بعض أهل الكلام وهو من تأثير الفلسفة التي تنافي بساطة الدين) ، ومن أهل الكلام أيضًا مَن قال أن الأشياء يكون لها وجود مخصوص في العدم (!!) ولكنها تظهر عندما يظهرها الله وهكذا (ولذلك كانت بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت