الصفحة 6 من 31

بعض [1] . وهكذا حُفِظَ نَصُّ القرآن من النقصان والنسيان، وكُتِبَ على نحو ما كُتِبَ في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه كُتِبَ مجموعًا بعد أن كان مفرقًا، ولم يأمر أبو بكر إلا بكتابة ما كان مكتوبًا من قبل [2] .

وكان جمع القرآن من جلائل الأعمال التي ازدان بها عهد الصدِّيق، وإن لم يكن أجلَّها [3] . وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في تقدير ذلك العمل:"رحم الله أبا بكر، كان أول من جمع القرآن بين اللوحين"، وجاء في رواية أخرى أنه قال:"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، فإنه أول من جمع القرآن بين اللوحين" [4] .

وبعد ما يقرب من خمسة عشر عامًا من تاريخ جمع القرآن في الصحف، قام عدد من الصحابة بنقل عدة نسخ من الصحف، أرسلت إلى الأمصار الإسلامية خارج المدينة المنورة لينقل منها الناس مصاحفهم؛ ففي خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنهم - وبعد اتساع بلاد المسلمين وازدياد عددهم كثيرًا، ظهرت بوادر الاختلاف في قراءة القرآن الكريم على نحو أقلق علماء الصحابة وأولي الأمر منهم، فما كان من الخليفة إلا أن يأمر بنسخ المصاحف من الصحف ونشرها في البلدان، لتكون المصاحف التي بأيدي المسلمين واحدة في الترتيب والرسم.

والرواية القديمة لنسخ المصاحف، كما نقلها البخاري وغيره من المحدِّثين والمؤرخين، هي أن أنس بن مالك، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخادمه، قال:"إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصاري."

فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف، ننسخها في المصاحف، ثم نَردّها إليكِ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان. فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا.

(1) ... ابن منظور: لسان العرب 10/ 252. مادة (ألف) .

(2) ... انظر: ابن حجر: فتح الباري 9/ 13.

(3) ... محمد حسين هيكل: الصديق أبو بكر، ص 16.

(4) ... ابن أبي داود: كتاب المصاحف، ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت