حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أُفقٍ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق" [1] ."
وبذلك العمل الكبير والمهم في تاريخ القرآن أخذ المصحف شكله الموحد في الرسم والترتيب، وصار كل مصحف أرسله الخليفة من المدينة إمامًا يقتدي به أهل البلدة التي أُرسل إليها ومن حولها، وصارت تلك المصاحف تُعرف بالمصاحف العثمانية، نسبة إلى سيدنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لأنه هو الذي أمر بنسخها وإرسالها إلى البلدان خارج الجزيرة العربية. وصار رسم الكلمات فيها يعرف بالرسم العثماني، وتلك المصاحف هي أصل لكل المصاحف الموجودة اليوم.
وقد حافظ المسلمون على رسم الكلمات في المصحف كما وقعت في المصاحف العثمانية الأولى، حتى وإن كان في بعضها مخالفة لما اصطلح عليه علماء العربية بعد ذلك من قواعد إملائية، وقد سُئِل الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ) :"أرأيت مَن استكتبَ مصحفا اليوم أترى أن يُكتبَ على ما أحدث الناسُ من الهجاء اليوم؟ فقال: لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكَتْبَةِ الأولى". قال أبو عمرو الداني:"ولا مخالفَ له في ذلك من علماء الأمة" [2] .
وإلى جانب حرص المسلمين على المحافظة على الرسم العثماني في كتابة المصاحف فإن عددًا كبيرًا من العلماء ألفوا كتبًا خاصة لوصف طريقة كتابة الكلمات في المصاحف العثمانية، منذ بدء عصر التدوين في العلوم الإسلامية [3] . لعل أشهرها كتاب (المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار) لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني الأندلسي (ت 444 هـ) [4] .
ويستطيع الدارس اليوم أن يقف على صورة رسم الكلمات في المصاحف العثمانية من خلال مصدرين اثنين؛ الأول: المصاحف القديمة التي تحتفظ بعض المكتبات العالمية بنسخ منها، والثاني: الكتب المؤلفة في رسم المصحف، وهي تقدِّم وصفًا دقيقًا ومفصلًا لطريقة رسم الكلمات في المصاحف الأولى، يعتمد على المعاينة المباشرة والنظر في تلك المصاحف.
ويتضح من العرض السابق أن رسم الكلمات في المصاحف العثمانية يرجع في الأصل إلى ما كان
(1) ... البخاري: الجامع الصحيح 6/ 226، وابن داود: كتاب المصاحف، ص 18، وابن النديم: الفهرست، ص 27، والداني: المقنع، ص 5، وأبو شامة: المرشد الوجيز، ص 49، وابن الأثير: الكامل 2/ 55، والزركشي: البرهان 1/ 236، وابن خلدون: العبر 2/ 1019، والسيوطي: الإتقان 1/ 169.
(2) ... الداني: المقنع، ص 9 - 10.
(3) ... ينظر أسماء أولئك العلماء وأسماء كتبهم في كتابنا: رسم المصحف ص 139 - 157، طبع دار عمار، الأردن.
(4) ... طبع ثلاث مرات؛ الطبعة الأولى في استانبول سنة 1932 بتحقيق أوتو برتزل، والثانية في دمشق سنة 1940 بتحقيق محمد أحمد دهمان، والثالثة في القاهرة سنة 1978 كتب عليها أنها بتحقيق محمد الصادق قمحاوي.