الصفحة 35 من 40

ووهبه عقلًا يدرك به محاسن الأمور من مساوئها وما ذاك إلا أنه الرحمن جل في علاه، برحمته أحاطه بمننه ونعمه وأرسل له رسله ليرشدوه إلى نجاته وسعادته، وخصه برسول الهدى والرحمة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [1] . قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب, وأدرك أولو الألباب منه أمرًا وراء ذلك) [2] ، ومن رحمته أن هداه للإسلام ووفقه للإيمان دونما سبب منه بل بفضل محض من الرحمن الرحيم، ومن رحمته أن شرع لعباده هذه الشريعة فأوجب فيها ومنع، وأحل وحرم، فها هي الصلاة أعظم رحمة من الله لعباده المؤمنين، صلة بين العبد وربه، سلوة له وأنس بخالقه، فمن ذا الذي يأذن لرعيته أن يلجوا عليه في اليوم مرات عديدة، قال أبو بكر المزني: من مثلك يا ابن آدم! خلى بينك وبين المحراب

(1) سورة الأنبياء: 107.

(2) مدارج السالكين لابن القيم الجوزية (1/ 14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت