وأول ما نشب الخلاف في هذه الأمة وحصل فيه النزاع بين الخوارج والمرجئة وأهل السنة؛ كان في العمليات، أي: في حكم العاصي الذي ترك واجبًا أو فعل محرمًا، وهذا كان في الصدر الأول للأمة، ولكن تطور الأمر بعد أن ظهرت الفرق وأصبح لكل فرقة منهج مستقل وأدلة وبراهين وحجج وشبهات، فبدأ الكل يكتب ويتكلم في بيان خطأ المخالف له في هذا الاعتقاد، فبعد أن كان الاختلاف في التكفير أو عدم التكفير مقتصرًا على الأمور العملية؛ أصبح اختلاف الناس في مسائل المقالات -أي: الأمور العلمية الاعتقادية- من جنس اختلافهم في أمور الكبائر العملية.
المرجئة لا تكفر أحدًا من أهل القبلة
يقول ابن أبي العز رحمه الله: [فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحدًا، فتنفي التكفير نفيًا عامًا، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين ... ] إلخ، يعني بأهل القبلة: كل من أظهر الإسلام بالشعائر الظاهرة، فهو عندهم لا يكفر أبدًا، فأطلقوا القول، وقالوا: لا نكفر أحدًا، وأوضح مثال على هؤلاء هم المرجئة، وهم أصناف، وهذا هو مذهبهم، وممن ذكر ذلك صاحب المواقف عضد الدين الإيجي في المقصد الخامس في موضوع الإيمان عندما تكلم عن التكفير؛ فقال -في معنى كلامه-: (جمهور المتكلمين والفقهاء على أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة) يعني: مهما اعتقد من اعتقادات فإنه لا يكفر، ثم قال: (وتحامقت المعتزلة بعد أبي الحسين البصري، فكفروا أصحابنا) يعني كفروا الأشاعرة، قال: (فرد عليهم بعض أصحابنا بالمثل) ، أي أنه ظهر أيضًا من الأشاعرة من يكفر المعتزلة، فالفتن في هذه الأمة فتن قديمة ومستمرة ما لم تعتصم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (وكفرت المجسمة من خالفهم) ، والمقصود بالمجسمة في الغالب عند أهل الكلام أو عند نفاة الصفات هم أهل السنة والجماعة، ثم قال: (وقال الأستاذ: لا نكفر إلاَّ من كفَّرنا، أو قال: من كفَّرنا كفَّرْناه وإلاَّ فلا) ، ويعنون بالأستاذ