وقد مرّ ابن بطوطة -رحمه الله تعالى- بمصر في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وركب النيل من دمنهور متجهًا إلى القاهرة فقال يصف عِظَم ما رأى:
"ومن هذه المدينة ركبت النيل مصعدًا إلى مصر، ما بين مدائن وقرى منتظمة، المتصل بعضها ببعض، ولا يفتقر راكب النيل إلى استصحاب الزاد، لأنه مهما أراد النزول بالشاطئ، نزل للوضوء والصلاة وشراء الزاد وغير ذلك، والأسواق متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مصر، ومن مصر إلى مدينة أسوان من الصعيد."
ثم وصلت إلى مدينة مصر: هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة، المتناهية في كثرة العمارة المتناهية بالحسن والنضارة، ومجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل، وجاد وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها، شبابها يَجِدّ على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد، قهرت قاهرتها الأمم، وتمكنت ملوكها من نواصي العرب والعجم، ولها خصوصية النيل الذي أجلّ خطرها، وأغناها عن أن يستمد القَطْرَ قُطْرُها، وأرضها مسيرة شهر لمجدّ السير، كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة، قال ابن جزيء: وفيها يقول الشاعر:
لَعمرك ما مصرٌ بمصرٍ وإنما ... هي الجنة الدنيا لمن يتبصَّر
فأولادها الولدان والحور عِينُها ... وروضتها الفردوس والنيل كوثر""
هذه هي بعض المقتطفات في مدح مصر من كلام الشعراء والأدباء، وهي غيض من فيض، وقطرة من بحر.