يَسِ: حرفان من الحروف الهجَائيّة المقطّعة، التي استفتح الله تعالى بها أوّل بعض السور، هذا هو أشهر ما قاله جمهور المفسّرين في معناها [1] ، والمراد
(1) ـ وقيل: (يس) اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم من أسماء النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وشاع ذلك لدى العامّة حتّى سمّى كثير منهم ابنه بهذه التسمية، وقيل: هو نداء معناه يا إنسان وروي ذلك عن ابن عبّاس، أو هو اختزال يا سيّد، وبيان ذلك أنّ تصغير إنسان أنيسين فكأنّه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال: (يس) أي أنيسين، وعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ويدلّ عليه قوله تعالى بعده: {إنّكَ لمِنَ المُرسَلِينَ} يقول الإمام الآلوسيّ:"ولتسميته - صلى الله عليه وسلم - بهذين الحرفين الجليلين سرّ جليل عند الواقفين على أسرار الحروف، وقد تكلّمت ولله تعالى الحمد فيما يتعلّق بهذه الكلمة الشريفة ثلاثة أيّام، اشرع كلّ يوم منها بعد العصر، وأختم قبيل المغرب، وذلك في مجلس وعظيّ في المسجد الجامع الداودي، واليوم لا أستطيع أن أذكر من ذلك بنت شفة، بل لا أتذكّر منه إلاّ رسمًا، هبّ عليه عاصف الزمان الغشوم فنسفه، فحسبي الله عمّن سواه، فلا ربّ غيره، ولا يرجى إلاّ خيره"، فسبحان السميع العليم، الذي لا يحيط بكتابه أحد، ولا تقف أسراره عند حدّ، ولا يحيط بها عقل بشر، انظر: تفسير الرازي، والآلوسي، والتحرير والتنوير للشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور، هذا وقد فتح الله تعالى عليّ بمعنى لا أرى ما يمنع من ذكره استئناسًا ببركة كتابه المبين، وإدلاءً بدلوي الصغير الضعيف مع الناهلين الواردين، وهو أنّ حرف"س"في علم الرياضيّات رمزٌ رياضيّ للمجهول، الذي يمكن أن يفسّر بكلّ شيء، كما يمكن أن يفسّر به كلّ شيء، ويمكن أن يبرهن به على كلّ شيء، ويُمكن أن يرمز به لكلّ قيمة، ويمكن به استخرَاج المجهول من المعلوم، واكتشاف الخفيّ من الجليّ .. أفليس من الممكن أن ترمز بداية السورة إلى نداء: (س) ذلك الرمز الرياضيّ، الذي يمكن أن يعبّر عن أيّة قيمة، أو كمّيّة، كما يمكن أن يرمز للأشياء حتّى ما كان منها خياليًّا .. وكأنّها ترمز إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فتقول: يا أيّها المجهول عند كثير من الناس، وأنت الرمز لكلّ معلوم، وبك يُكتشفُ كلّ مجهول، وبك تعرف قيمة كلّ معلوم وقدره .. ويستأنس لهذا الفهم بما جاء بعد ذلك من قول الله تعالى: {إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) } ، أو كأنّ هذه البداية ترمز إلى كلّ مجهول لدى المشركين والكافرين المعاندين، أنّه حقيقة لها برهانها، وإن هم جهلوها أو تجاهلوها، أو أنكروها، فهذا لا يغيّر من واقع الأمر شيء، ولاحظ أنّ سورة"يس"جاءت بعدها بسورة سورة (ص) ، وهي رمز رياضيّ أيضًا، ويعبّر عن مثل ما يعبّر عنه الرمز:"س"، هذا والله تعالى أعلم، وأستغفره سبحانه ممّا طغى به القلم أو زلّ.