الصفحة 56 من 77

ـ ثمّ يقال لهم: هذه جهنم التي كنتم توعدون بها في الدنيا على كفركم بالله تعالى وتكذيبكم لرسله، ادخلوها اليوم وقاسوا حرّها؛ بسبب ما كنتم عليه من الكفر والجحود.

وفي ذلك اليوم نطبع على أفواه المشركين فلا ينطقون، وتكلمنا أيديهم بما بطشت به، وتشهد أرجلهم بما سعت إليه في الدنيا، وكسبت من الآثام، فلا يستطيعون التنصّل من جرائمهم، وما كانوا عليه من الظلم والفساد.

ولو نشاء لطمسنا على أعينهم بأن نذهب أبصارهم، كما ختمنا على أفواههم، فإذا بادروا إلى الصراط ليجوزوه لم يستطيعوا، إذ كيف يتحقق لهم ذلك، وقد طمست أبصارهم؟! فتخطفهم كلاليب جهنّم، ويسقطون فيها [1] .

(1) ـ ذهب أكثر المفسّرينَ بل جمهورهم من المتقدّمين والمعاصرين، وجلّهم ينقل عن بعضهم، إلى أنّ المراد بالآية الحديثُ عنْ حال الكافرين في الدنيا، ففسّروا الصراط بالطريق المعروف، مع أنّ سِياقَ الآية وسباقَها الحدِيثُ عن مشهد مِن مشاهد يوم القيامة، بدءًا من قوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64) } فكان الأصحّ والأرجح أن تفسّر الآية بما يعرض للكافرين من أهوال يوم القيامة ومواقفه، فالكافر الذي عاند الحقّ في هذه الحياة، وطمس بصيرته عن رؤية آيات الله تعالى في نفسه، وفي الآفاق من حوله، يعاقب يوم القيامة بأن يطمس بصره وهوَ في أشدّ الحاجة إليه، عندما يقدّم إلى الصراط ليجتازه، فيفاجأ بطمس بصره، ويحاول أن يبادر قبل ذلك، فهيهات هيهات.! ويؤيّد ذلك عموم ما جاء في قول الله جلّ وعلا: {ومَن أعرضَ عنْ ذِكري فإنّ لهُ مَعِيشةً ضَنكًا، ونحشرُه يومَ القيامةِ أعمَى} طه. وقد نقلَ الإمام القرطبيّ في تفسيره عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه ما يؤيّد هذا القول ويعضده: يقول الإمام القرطبيّ: وقد روي عن عبد الله بن سلام في تأويل هذه الآية غير ما تقدّم، وتأوّلها على أنّها في يوم القيامة، وقال: إذا كان يوم القيامة، ومدّ الصراط، نادى منادٍ: ليقم محمّد - صلى الله عليه وسلم - وأمّته، فيقومون برّهم وفاجرهم، يتبعونه ليجوزوا الصراط، فإذا صاروا عليه طمس الله أعين فجّارهم، فاستبقوا الصراط فمن أين يبصرونه حتّى يجازوه.؟ ثمّ ينادي منادٍ ليقم عيسى - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته، فيقوم فيتّبعونه برّهم وفاجرهم، فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذا سائر الأنبياء عليهم السلام. انظر تفسير القرطبي 15/ 50. ويؤيّد هذه الرواية ما جاء في صحاح الأحاديث من أنّ مرور الناس على الصراط إنما هو على حسب أعمالهم؛ فمنهم من يمرّ كالبرق الخاطف، ومنهم كراكب الجواد السريع، ومنهم من يحبو على الصراط حبوًا، ومنهم مخدوش مسلّم، ومنهم من تتخطفه كلاليب جهنّم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت