الشعر ويفاخرون به، وينتقصون من لا يستطيع قوله، ويعدّون قرض الشعر قصارى ما يتشوّف إليه الرجال، ويتبارون به في المجالس والمنتديات، وكانوا يعقدون لذلك اللقاءات الدوريّة والحوليّة، وعندما نزل القرآن على محمّد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا البيانِ المعجز، وسمعه العرب، وتحدّاهم أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، ونزلت عليه هذه الآيات، وجدوا ما كانوا يفاخرون به، ويعدّونه غايةً عليا في الحياة .. وجدوه غايةً دنيا .. يأباها الله لنبيّه - صلى الله عليه وسلم -، ويسمو به عنها في خطابه وبيانه، كما يُجَلّ عنها كلام ربّه المنزّل .. وبعدما أراهم القرآن ذلك كذلك، وعندما تذوّق بلغاؤهم فصاحة القرآن، ولذّة بيانه، وسمت عقولهم ونفوسهم إلى عليائِه .. شهد بلغاؤهم وفصحاؤهم بذلك، كما قال الوليد بن المغيرة:".. والله ما هو بشعر، ولا بسحر ولا كهانة .. إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو، ولا يعلى عليه .."، فأبت عليهم عقولهم أن يعودوا إلى التنافس في قول الشعر، أو التباهي بقوافيه وقريضه .. كما يأبى العاقل الراشد، الذي سمت همَّته، وزكت أفعاله أن يعود إلى ما يشبه عبث الطفولة، أو نزوات الشباب ..
أفليس في ذلك دليل على أنّ القرآن من عند الله تعالى.؟! وأنّ دعوة محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وما أنزل عليه من القرآن، ليس ذلك نوعًا من الأدب الذي عرفته البشريّة بأيّ نوْع من أنْواعه .. وإنما هو أدب أسمى من كلّ أدب وأرفع .. وبيان أجلى من كلّ بيان وأمنع .. فهو كلام الله تجلّى بأجمل حلية، وهو دعوة الحقّ كسيت أبهى حلّة ..
3 ـ إن إصابة النبي - صلى الله عليه وسلم - الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر، فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وليس ذلك شعرًا ولا في معناه، كقوله تعالى: