الصفحة 71 من 77

من نطفةِ ماءٍ تافهٍ حقيرٍ، ثم يخاصم ربّه، ويتطاول على خالقه، ويجادل في خصومته ويتمادى، مُبينًا في زعمه لحجته، بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا.

قال أبو حيان: قبّح الله تعالى إنكار الكفرة للبعث، فقرّر سبحانه أن عنصره الذي خلق منه هو ماء مهين خارج من مخرج النجاسة، أفضى به مهانة أصله أن يخاصم الباري تعالى ويقول: من يحيي الميت بعد ما رمّ، مع علمه بأصل نشأته.

لقد نسي هذا الإنسان الضعيف المخلوق أن الله أنشأه من نطفة، ثم جعله إنسانًا حيًّا سويًّا، فهذا دليل حاضر من نفسه على إمكان البعث، وقد احتجّ الله عز وجل على منكري البعث بالنشأة الأولى، فكيف ينكر الإنسان، ويقول بعد ذلك: من يحيي هذه العظام البالية؟!

والجواب: أن النشأة الثانية مثل النشأة الأولى، فمن قدر على النشأة الأولى قدر على النشأة الثانية ولا ريب، فالله تعالى عالم بكل الأشياء، سواء في ذلك الأجسام العظام أو الذرات الصغار.

ومن أدلة وحدانيته تعالى وكمال قدرته على إحياء الموتى: ما يشاهده الناس من إخراج المحروق اليابس من العود النديّ الطريّ، فإن الشجر الأخضر من الماء، والماء بارد رطب ضدّ النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فدلّ ذلك على أنّه تعالى هو القادر على إخراج الضدّ من الضدّ، وهو على كل شيء قدير، فأيّ عجب بعد ذلك من خلق العباد مرّة أخرى.؟!

إنّ الله الذي خلق السموات والأرض التي هي أعظم من خلق الناس قادر على أن يبعث الناس من قبورهم، ويحييهم مرة أخرى للحساب والجزاء، فهو سبحانه لا حدّ لقدرته، ولا يعجزه شيء .. فهُو سبحانه الخلاّقُ: الكثيرُ الخلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت