وزنادقة الفلاسفة في أرفع الدرجات، وعظّمهم وخضع لهم في جميع ما قالوه وفعلوه؛ وكما جَدَّ بنفي أصول الدين العظيمة، فقد أيَّد ذلك بإلحاحه البليغ وحثّه على نبذ القديم ومراده به تعاليم الدين وأصوله وآدابه وثقافته وأخلاقه، وحتَّم أن يُتخذ ثقافة جديدة يُنبذ فيها القديم كله بما في مقدمته الكتاب والسنة، وأن تكون هذه الثقافة جديدة إلحادية، يكفر بها بجميع حملة الدين الإسلامي، ويعتقد سقوطهم، وأنه لا فضل لهم، ويهجر كتبهم كلها، من حديث وتفسير وفقه وأصول وفروع وغيرها، وأن يُعَدّوا مجرمين يستحقون الجزاء، وليس هذا بغريب؛ فإنه تجرأ وصرّح على ما هو أطمّ من ذلك، حيث رمى جميع الأنبياء، وزعم أنهم لم ينفعوا الناس والحياة بشيء، ومن كانت هذه تصريحاته ووقاحته، وعدم حيائه من الله ومن الخلق، فقد انتقل من طور إلى طورٍ، هو أسفل الأطوار وأسقطها؛ فلو أن له مسكة من عقل وذكاء، وسلك مسلك الحذاق من الملحدين، لتستّر بعض التستر، ولكنه سلك هذا المسلك الخبيث، وهذا من آيات الله وجملة عقوباته، يري عباده كيف يصير الإنسان المعروف بالعلم والفضل، إلى أن ينحط إلى هذه المرتبة التي صار بها مُثْلة بين العقلاء.
فنسألك اللّهم أن لا تزيغ قلوبنا بمنّك وكرمك، وكذّب بقصة آدم وزوجه وذريته فزعم أن الإنسان في أول أمره كالحيوان لا ينطق ولا يتكلم، ثم بعد مدد انتقل إلى طور الإشارة، ثم بعد مدد أخرى تمكن من النطق والكلام، وأن الصحابة في طور الطفولية، وطور قريب من أطوار الحيوانات يعلمون ظواهر الأشياء لا بواطنها، وعنده أن الذين عرفوا العلوم النافعة، هم هؤلاء الملاحدة، مستدلًا على ذلك، بما أوتوا من علم الصناعات وفنون الاختراعات، وأن تأخر المسلمين دليل على فساد دينهم، وقد أخذ هذا عن أعداء الإسلام والمسلمين، وقال فيه أقوالًا أكثر مما ذكرنا عنه، وقد