الرفيق الأعلى» [1] . فهذا التحليل الخبيث، الذي لا يروج على الصبيان، قد أخذه بعينه من دعاة النصارى، حيث قالوا هذا القول الذي هو التكذيب والكفر المحض، فعنده ليس ثمَّ وحي ولا مناجاة لله ولا نزول جبريل من عند الله، فظن بسفاهة عقله، أنه بهذا الكلام يسلم من الشناعة، فالوحي عنده خيال لا حقيقة.
أعداء الرسل من الدهريين قالوا: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون: 37] وهذا يقول: ما هي إلا طبيعة تتفاعل وتتطور وتدير أمر العالم، وتدبر الأمور الدقيقة والجليلة، وأنكر قضاء الله وقدره، ورجّع ذلك كله إلى الطبيعة، وهذا إنكار منه لله ولصفاته، وتعطيل له، وإنكار لربوبيته؛ وكما أنكر الربوبية، فقد أنكر توحيد الإلهية، ولم يرتضِ ما قاله المشركون، بل أنكر عبادة الله بالكلية، وأنكر الافتقار إليه، وتهكم بالمفتقرين إلى ربهم، المخلصين الداعين، واستهزأ بهم في كلام طويل ساقط مردود، وكما أنكر الربوبية والإلهية والعبادة، فقد تقدم ما يدل على إنكار الرسالة وتفسيره للوحي، وقدحه بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، ورميه إياه بعبادة الطبيعة، وكما أنكر هذه الأمور، فقد أنكر عقوبات الله في الدنيا والآخرة، وسخر بمن أثبتها، فيا ويحه ما الذي أبقى عليه من أصول الدين وقواعده، لقد أنكرها كلها، ولم يكتف بإنكارها حتى جعل يحاربها ويتهكم بها، ويرمي المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله بالبلاهة وضعف الرأي والعقل، وقد ملأ كتابه من السخرية بهم، ولم يدر أنه بهذا سيسجل على نفسه بالجنون والانسلاخ من العقل بعد الانسلاخ من الدين؛ وكما أنه جعل
المسلمين علماءهم وهداتهم وعبّادهم في أحط الدرجات، فقد جعل الملحدين
(1) - تقدم تخريجه.