وبالثاني: جعل كتابه هذا أكبر داعٍ لنبذ الدين ومقاومته وعداوته، كما هو مشاهد محسوس من أوله إلى آخره.
وبالثالث: موّه بذلك على الأغرار، أن الدين يدعو إلى ما قال، وأن بعض الآيات والأحاديث تدل على ما قال، فمن نظر وتأمل في كتابه، علم أنه ما صنف أعظم وطأة وعداوة للدين من هذا الكتاب، ولا اجترأ أحد من الأجانب فضلًا عمن يتسمى بالإسلام بمثل ما اجترأ عليه هذا الرجل، ولا افترى مفترٍ مثل افترائه؛ ولا حرّف أحد تحريفًا يضاهي تحريفه، وما استهزأ أحد بالشريعة وعلومها وأخلاقها وحملتها كاستهزائه وسخريته.
المعطلون للباري المنكرون له رأسًا، لهم في ذلك أساليب ترجع إلى هذا المعنى؛ أسلوب التصريح بالإنكار والصراحة فيه، وذلك مذهب الدهرية، الذين يقولون: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] ومذهب فرعون حيث يقول: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23] .
ثم أظهروه بأسلوب أظهره زنادقة الاتحاديين، الذين زعموا أن الوجود واحدٌ بالعين؛ ثم أظهره هذا [1] الكاتب بأسلوب أشنع منها كلها، وهو أنه يجب أن يعلم أنه لا فرق بين الخالق والمخلوق، وأن من فرّق بينهما من الرسل وأتباعهم، وجميع المعترفين برب العالمين؛ فهو غالط أكبر غلط.
والمكذبون لرسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم لهم في ذلك أيضًا أساليب، أسلوب التصريح والتكذيب له، وأنه ليس رسولًا، وأسلوب من يقول: آمنا بالله ورسوله، وقلوبهم منطوية على الكفر والتكذيب، وأسلوب أظهره هذا الكاتب مجاراة لدعاة النصارى، حيث جعل رسالته اختلاء بالطبيعة والدعوة إليها، فكان المجاهرون
(1) - قول العلامة ابن سعدي رحمه الله: هذا الكاتب أو غيره، من الإشارات الصريحة أو المكنية فالمقصود بها مؤلف كتاب «الأغلال القصيمي» .