والصبيان، بل كانوا يورثون النساء في بعض الأحوال، وأكل مال اليتيم، وقتل النفوس، وشن الغارات، والنهب والسلب، واسترقاق بعضهم بعضًا، والتفاخر بالأنساب لا بالأعمال، واستلحاق أولاد الزنا، إلى غير ذلك مما هو معروف.
فجاء محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكتاب من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من تمسك به نجا، ومن زاغ عنه هلك، فأحيا الله به العرب بعد الموت، وجمعهم بعد الشتات، وأغناهم بعد الفقر، وأعزهم بعد الذلة، وجعلهم سادة لمن كانوا لهم عبيدًا ـ أي الفرس والروم ـ وأبدلهم من القسوة رحمة، ومن الخشونة والجفاء لطفًا ولينًا؛ وبالجملة جعلهم سعداء بعد أن كانوا أشقياء.
وقد أخبر الله في هذا الكتاب وفي بيانه ـ وهو [1] كلام رسوله [ (ص) ] [2] ـ أن العرب وسائر المسلمين لن يزالوا الأعلين ما تمسكوا بهذا الكتاب، واهتدوا بهدي النبي الكريم، ومتى تركوه وابتغوا الهدى في غيره أضلهم الله وخيّب سعيهم، وردهم إلى ما كانوا فيه من الشقاء؛ وهذا ما وقع، وهذا الرجل يقول: إن الأمة العربية بكتابه هذا تبدأ تبصر طريق العقل، كأنَّ كتاب الله وبيان رسوله الذي حييت به الأمة، وسعدت باتباعه، ثم ماتت وشقيت بتركه،
والتاريخ أصدق شاهد، لا يكفي لبعث العرب وإبصارهم طريق العقل
والرشد، وكل ما ألّفه علماء الإسلام في زمان مجدهم، لا يكفي لإبصارهم
طريق العقل، حتى يأتي هذا الكتيب فيفتح أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا،
(1) - قلت: ودليل ذلك قول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وغيرها من الأدلة؛ لأن السنة مبينة لما عممه ومفصلة لما أجمل من كتاب الله، مقيدة لما أطلق منه، فهي وحي من الله، لا نطق عن الهوى.
(2) - زيادة يقتضيها الحال.