شيء واحد، ثم أظهر هذا الكاتب صاحب كتاب «الأغلال» بأسلوب أشنع من ذلك كله، حيث زعم أنه لا فرق بين الخالق والمخلوق، وأن من فرّق بينهما من الأنبياء والرسل وأهل الأديان، فهو غالط ضال عنده. أعداء الرسول تنوّعوا في تكذيبه فقالوا: ساحر وشاعر. وقالوا: مفترٍ كذاب؛ وزنادقة الفلاسفة قالوا: إن الرسل كذبوا لمصلحة الناس، وخيَّلوا للناس تخييلات خالية من الحقائق. وهذا صاحب الأغلال جاء بوجه آخر، حيث حلل بزعمه حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك التحليل الخبيث الباطل؛ بأنه يخلو بالطبيعة ويناجيها، وتأخذ بلبّه وعقله، ويظل ليله ونهاره، نازعًا إليها وقد افتتح بها رسالته بخلوته بها ومناجاتها في غار حراء، وختمها به حيث كان ينزع إليها وهو في سياق الموت، ويقول: «في الرفيق الأعلى» [1] ، فهذا التحليل الخبيث الذي لا يروج على الصبيان قد أخذه بعينه من دعاة النصارى ومضلليهم، إذ قالوا هذا القول الذي هو التكذيب المحض، فعند صاحب الأغلال ليس ثَمَّ وحي ولا مناجاة لله ولا نزول جبريل بالوحي من عند الله، وإنما ذلك خيال لا حقيقة فظن بجهله أنه بهذا الكلام المموه يسلم من الشناعة.
أعداء الرسل من الدهريين قالوا: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] وهذا القصيمي يقول: ما هي إلا الطبيعة تتفاعل وتتطور وتدير أمر العالم، وتدبره وتنظم الأمور الجليلة والدقيقة، وأنكر قضاء الله وقدره، ورجّع ذلك إلى العلم بانتظام الطبيعة، وهذا إنكار منه لله ولأفعاله ولصفاته؛ وكما أنكر توحيد الربوبية، فقد أنكر توحيد الإلهية والعبادة، ولم يرتض بما قاله المشركون، بل أنكر عبادة الله بالكلية، وأنكر الافتقار إليه، وتهكم
(1) - أخرجه البخاري (4436) ، ومسلم (2444) ، وابن ماجه (1620) ، والطيالسي (2390) .