فإن روح الدين هو التواضع والذل التام لرب العالمين، ورؤية العبد افتقاره الحقيقي إلى ربه واضطراره إليه في جلب مصالحه ودفع مضاره، وأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا بوجه من الوجوه، وأن من تمام عبوديته إلى ربه أن يلجأ إليه ويضرع إليه في جميع شؤونه، ويعلم أنه في غاية العجز والضعف عن القيام التام بفعل الأوامر واجتناب النواهي، وعن القيام بجميع الوسائل النافعة، وأنه وإن لم يُعنه ربه لم يتم له أمر؛ فالمسلمون يعلمون أن افتقارهم إلى ربهم، لا ينافي قيامهم بالأسباب النافعة، كما أن القيام بالأسباب لا ينافي الافتقار إلى الله تعالى، بلْ كل واحد من الأمرين، يمد الآخر فكلما ازداد العبد افتقارًا إلى ربه والتجاء إليه جاءه من معونة ربه وتيسير أموره ما لا يحصل له بدون ذلك، وكلما قام بالأسباب مستعينًا بالله أمدّه بإعانته وتوفيقه.
فهذا الكاتب ظن أو جعل افتقار المسلمين إلى ربهم يوجب الضعف والكسل وموت الهمم، وصوّره بهذه الصورة الشنيعة، ثم طفق يحط على خيار المؤمنين ويرميهم بضعف الرأي والهمة والعقل، ولم يعلم المسكين أنه ينادي على نفسه بسفاهة العقل وقلة الإدراك، إذ كان هذا ظنه، وإن كان الأمر غير ذلك،
فهو يبرهن على خداعه وبهرجته وتصويره حالة المسلمين بحالة شنعاء،
ليتوسل إلى القدح فيهم وفي دينهم، عند من لا يعرف الحقائق، ويح هذا
الرجل إذا أنكر روح الدين ومقوماته وأصوله العظيمة، التي لا تستقيم جميع الأمور إلا بها فماذا يعترف به؟ وإذا ذم الافتقار إلى الله والرجاء له في كل الأحوال والاعتراف بأنه هو الميسر للأمور المسهل للصعاب الذي ما بالعباد من