أعداء الرسول من المنافقين، آمنوا ثم كفروا، وأبصروا ثم عموا، وهذا بعدما صنف التصانيف النافعة في نصر الدين، ومقاومة المبتدعين والملحدين، انقلب هذا الانقلاب الذي محا به كل ما كتبه وقرره عن الدين، فكان ممن خسر الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين؛ إلا أن يتدارك ذلك بتوبة وتنصل ونقض لما كتبه في كتابه من عداوة الدين وقدحه فيه، وفي شرائعه وحملته، فالله يتوب على من تاب.
فهذه الأمور التي احتوى عليها كتابه، وصوّرناها للقارئ تصويرًا، يعرف به مرتبتها وبعدها عن الدين، ومقاومتها لتعاليمه العالية وأخلاقه السامية، وإصلاحه العام، وإتيانه بمصالح الدنيا والدين، يعجب البصير إذا تصورها كيف جمع كتابه هذا، جميع ما قاله أعداء الدين ووجهوه إليه، وإلى ما جاء به من المطاعن، فحذا حذوهم، وغيَّر بعض العبارات وزوّقها وروّقها، ثم مع ذلك يظن بسفاهة عقله، أنها تروج وتخفى، لقد خاب إذًا ظنه، وبطل سعيه، واضمحل أمله، سيعرف ويدري أنها أورثته تاريخًا مملوءًا بالفظائع والمنكرات، ونزّلته من أعلى المقامات إلى أسفل الدركات، وصيّرته مُثْلَة بين العقلاء في سفاهة عقله ووقاحته وانقلاب قلبه، فبئس ما اشترى، وبئس ما اختار لنفسه، وبئس ما تعوّض عن المقامات السامية بأخس المتاع.
فنلجأ إلى ربنا ونتضرع إليه، أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يحبب إلينا الإيمان ويزيّنه في قلوبنا ويكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان ويجعلنا من الراشدين.
وليعلم القارئ أننا لم نتجاوز ما قاله في كتابه، ولم نبالغ في شيء مما نقلناه ونسبناه إليه، وقد أشرنا بالرسالة المذكورة إلى الصفحات من كتابه الموجودة فيها، هذه المباحث الخبيثة التي لا يخفى على البصير المقصود منها؛ ولا يخفى على العاقل الأسباب التي حملته على تأليفها.