يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وتوحيد الربوبية، وهو أن الشارع للدين هو رب العالمين، فلا يحرم عليهم إلا ربهم، فليس لأحد أن يقول عليه أنه حرم شيئًا بغير علم من وحيه، كما قال في أصول المحرمات من سورة الأعراف المكية: (وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [33] أى: كذب الذين من قبلهم رسلهم كما يكذبك هؤلاء يا محمد (حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا) أى: عذابنا، فلو كان راضيًا عن عملهم لما عذبهم ..
وأما الحجة العقلية، فقوله لرسوله: (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا) إثباتًا لزعمكم هذا، فإن القول في صفات الله وأفعاله وأصول دينه وتشريعه لا يصح إلا بعلم يقينى يثبته، وما عندكم شىء من علم بهذا (إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) أى: ما تتبعون فيه إلا الظن في فهم المشيئة واستلزامها للرضا وأمر التشريع، وقد حكى عنهم ذلك في سورة الأعراف بقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [28] .. ثم أسقطهم من مرتبة الظن إلى ما دونها، فقال: (وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ) الخرص: الحزر والتخمين، كتقدير الثمر في شجره وما يبلغه بعد الجفاف، فهو لا يستند إلى دليل، وأطلق على الكذب لأنه لا يكاد يكون مطابقًا للواقع .. ثم قال لرسوله ملقنًا له الحجة البالغة بعد إبطال حجتهم الداحضة: (قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) أى: لو شاء أن يهديكم كلكم بمحض قدرته من غير أن يكون لكم إرادة ولا كسب ولا اختيار في إيمان ولا عمل لهداكم بخلقه إياكم مهتدين بالفطرة .. ويراجع تحقيق هذه المسألة في الجزء الثامن من تفسير المنار]
ويقول بعد 150 آية: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [151]
ويذكر في مختتم السورة: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ