الصفحة 60 من 64

فالدليل القطعى لا ينفى إلا شيئًا واحدًا، وهو تعلُّم إسماعيل وبنيه العربية من القحطانية، فمن الواجب أن يقتصر به على ذلك، ولا يعدى إلى القصة جميعها فينفيها؛ إذ لا منافاة بينه وبين بقيتها.

ومثل الدكتور في ذلك، مثل من يسمع مؤرخَين: أحدهما يقول: إن اللورد كتشنر كان عميد الدولة البريطانية في مصر. والآخر يقول: إنه كان عميدها في مصر سنة 1920. فيقول: إن التاريخ يفيد أن اللورد كتشنر غرق زمن الحرب العظمى التى انتهت قبل هذا التاريخ، فما قاله المؤرخان كذب، ولم يكن اللورد كتشنر عميدًا لإنكلترا في مصر وقتًا ما.

كذَّب المؤرخين، وكذَّب القصة جميعها .. ولو اتبع المنطق لنفى كونه عميدًا في زمن

سنة 1920، ولم يُعَدِّ النفى إلى كونه عميدًا، ولم يكذِّب المؤرخ الأول، إذ لم يتعرض لتعيين الزمن.

وكذلك الأمر عندنا .. الدليل ينفى ما قاله المؤرخون، من أن إسماعيل تعلم العربية من القحطانية، فينفى به الدكتور القصة حتى ما ذكره القرآن من وجودهما وهجرتهما وبنائهما الكعبة، مما لم ينفه الدليل ولم يتعرض له، ويكذِّب القرآن فيما قاله، وهو لم يعرض لما نفاه الدليل، وإنما عرض لغيره.

فيا دكتور: دليلك أقصر من دعواك! .. أنت تدعى نفى وجودِ إبراهيم وإسماعيل، وهجرتِهما إلى مكة، وبنائِهما الكعبة، وتعلُّمِ إسماعيل العربية من القحطانية .. ودليلك إنما ينفى الأخير، وهو تعلُّم إسماعيل العربية من القحطانية، فأما ما عدا ذلك فلا.

ويسمى علماء المناظرة ذلك بـ (منع التقريب) .. والتقريب: سوق الدليل على وجه يستلزم المطلوب .. ويقولون في مثل ذلك: إن التقريب غير مُسَلَّم .. أى أنك سقت الدليل على وجه لا يستلزم المطلوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت