فمثلك مثل من ادعى أن هذا الشبح إنسان، ويستدل على هذه الدعوى بأنه متحرك بالإرادة، وكل متحرك بالإرادة حيوان .. نعم .. الدليل مسلَّم، ولكنه لا يستلزم المطلوب، وهو أنه إنسان.
فالمنطق يأمرنا إذا نفى الدليل شيئًا أن نقصره على ذلك الشئ، ولا نعديه إلى ما عداه. وقد رأيت في مثال اللورد كتشنر كيف نخطئ إذا عدينا النفى إلى غير ما قام عليه الدليل.
ولو أردنا أن نصوغ دليلك في قالب منطقى لكان هكذا: لو كانت الحجازية أصلها القحطانية، لما بَعُد ما بينهما هذا البعد، لكنهما متباعدان، إذن فليست الحجازية أصلها القحطانية .. هذه النتيجة فقط .. ولكنك تزيد فيها ما يأتى: لم يوجد إبراهيم وإسماعيل، ولم يبنيا الكعبة، ولم يهاجرا إلى مكة .. وهذا هوس ليس منطقًا!
ويظهر أن الدكتور طه علم أن دليله لا ينتج تكذيب القرآن فيما ذكره، فلم يرتب التكذيب على الدليل، ولم يقل (وإذن) التى يستعملها دائمًا في كلامه، وقال: فواضح جدًا لكل من له إلمام بالبحث التاريخى عامة، ويدرس الأساطير والأقاصيص خاصة، أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة، دعت إليها حاجة دينية، أو اقتصادية، أو سياسية.
وهو بين شرَّين لا مفر منهما: إما أن يكون اجترأ على تكذيب القرآن في وجود إبراهيم وإسماعيل بدون دليل، وليس بيده إلا قوله (فواضح جدًا) ! .. وحينئذ تكون دعوى لا دليل عليها، والدعاوى إن لم تقم عليها بينة لا يُعبَأ بها .. وإما أن يكون قد كذَّب القرآن بذلك الدليل .. وقد علمنا أنه أقصر من دعواه، ولا ينتج تكذيب القرآن.
هذا، وقد رأى القراء أننا لم نناقش الدكتور على قاعدة أن القرآن نص يقينى، وهو حجة على كل ما خالفه، وإنما ناقشناه على قاعدة أنه نص تاريخى كنص أى مؤرخ من البشر تنزيلًا منا، وبينا له أن