دعواه لم تتم؛ لأن الدليل العقلى الذى استعمله لا ينهض، فلم نُلزمه بنصوص الدين لئلا يقال: إن ذلك لا يلزمه إلا المتدين، وإنما ألزمناه بالأدلة العقلية المشتركة للإنسانية كلها، مَن تَديَّن منهم ومن لم يتدين.
ولا يظن ظان أن أدلة الدكتور الحديثة تقف عند هذا الحد من العبث والبطلان، بل إن لها لونًا آخر من ألوان العبث والبطلان، وهو ما سنبينه.
يزعم الدكتور طه أن قصة إبراهيم وإسماعيل موضوعة وضعها اليهود لغرض، وهو أنهم كانوا يريدون أن يثبتوا القرابة بينهم وبين العرب، ليعيشوا معهم عيشة راضية، وقبلتها مكة لغرض سياسى ودينى، لأنهم كانوا يريدون أن يتصل نسبهم بأصل من تلك الأصول الماجدة، وقبلها الإسلام لغرض دينى، وهو أنه يريد أن يثبت صلة بينه وبين اليهودية.
هكذا زعم الدكتور، وليس معه نص تاريخى يفيد ذلك، وليس بيده إلا أن ذلك يمكن أن يكون قد كان، وإذا تُصُوِّر على هذا الحال كان منسجمًا!
ونحن نقول له: يا دكتور، إن التاريخ لا يثبت بمثل ذلك، وليس كل ما يمكن أن يكون قد كان، يجب أن يكون قد كان، ولا يثبت الأمر بأن هذه العلة يجوز أن تكون له.
وإن مثلك في ذلك مثل مؤرخ يأتى بعد مائتى سنة يقول: يزعم المؤرخون أن أمريكا اشتركت مع فرنسا في حرب ألمانيا في الميدان الغربى، وهذا باطل، فأين أمريكا
من فرنسا؟ إن بينهما المحيط الأطلانطيقى على سعته، القصة مكذوبة، وقد اخترعها بعض الأمريكان، ليقرب الشعبين الأمريكى والفرنسى بعضهما من بعض، إن هذه القصة تفيد أنهما حاربا معا