الصفحة 17 من 36

ولذلك فإنه حريص - والحال كذلك - على بقاء سجل حسناته في زيادة دائمة حتى بعد وفاته، فيحرص على أن يبقي بعده صدقة جارية، وعلمًا نافعًا، وولدًا صالحًا يدعو له.

وله أن يوصي لنفسه أو لغير وارث منه بعد وفاته من مجالات البر والخير في حدود ثلث ماله دون زيادة عليه، إلا إذا رضي الورثة بالزيادة. وذلك من غير أن يدع ورثته فقراء يتكففون الناس، فإنهم إن كانوا محتاجين لهذا المال فتكره الوصية بشيء منه لغيرهم. كما أنه حريص على ألا يترك بعده ما يُعْصَى اللهُ به من آلة لهو محرم، أو أموال في مصرف ربوي، أو عقار مؤجر على من اتخذه لمعصية الله .. ونحو ذلك.

وعليه أن يبين لمن بعده حقوق الله عليه كالزكاة والكفارة، وحقوق الناس التي عليه كالودائع والديون، ويبين تركته كلها بالتفصيل، حتى لا يدع مجالًا للاختلاف بين ورثته أنفسهم، ولا بينهم وبين الناس. ويلقى الله تعالى غير ظالم لنفسه ولا لغيره، بنفس رضية هنية، يُدعى لها ولا يُدعى عليها.

مستجيبا لأمر الله تعالى {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُم} [المائدة:106] ، وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - (( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين ) )وفي رواية: (( ثلاث ليال، إلا ووصيته عنده مكتوبة ) )، قال عبد الله بن عمر: (( ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلـ ك، إلا وعندي وصيتي ) ). [متفق عليه، واللفظ لمسلم] .

وفي حديث آخر حسن الإسناد: (( المحروم من حرم وصيته ) ) [رواه ابن ماجة] .

ومن هنا نعلم أهمية المسارعة بكتابة الوصية، وعدم تأجيل ذلك، فالوصية لا تقرب أجلا، وتأجيلها لا يبعد ساعته، بل قد تحل ساعة الفراق في لحظة يعجز الإنسان عن النطق بكلمة واحدة، فيفوتُ حينئذ أمرٌ عظيمٌ يتصل بذمة المتوفى، وفرصة ثمينة من فرص كسب الثواب، وتكفير السيئات بعد انقطاع الأجل، وما كان ينويه من وصايا المعروف لنفسه ولغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت