اللهم لك الحمد أنت وليُّ الحمد وأهلُه، وأنت ولينا في الدنيا والآخرة، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تغفر لنا بكرمك، وأن تجيرنا من النار برحمتك، ونسألك يا مولانا الرضا بعد القضا، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقًا إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا ... أما بعد:
فإن من أسرار الحج كذلك أنه يعطي صورة رائعة للوحدة التي يجب على المسلمين أن يسعوا إلى تحقيقها، فها هم أولاء قد تجمعوا من كل فج عميق، أبيضهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، عربيهم وعجميهم، غنيهم وفقيرهم لا تجمع بينهم سوى رابطة الدين وحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، يرتدون لباسًا واحدًا، ويهتفون هتافًا واحدًا، ويرجون ربًا واحدًا. قد ضحوا بأنفسهم فعرضوها لمخاطر الأسفار، وضحوا بأموالهم فأنفقوها راضية بها نفوسهم، وضحوا بأوقاتهم فاقتطعوا منها أيامًا وربما شهورًا، وضحوا بقربهم من أهلهم وديارهم وأسواقهم فتركوها في سبيل الله، وضحوا بجمالياتهم التي كانوا يحرصون عليها، فتجردوا من كل زينة ليبقوا أيامًا معدودات بلباس الإحرام المتواضع، الذي لا مباهاة فيه بين رجل وآخر، ولا مدعاة فيه لعجب أو رياء أو خيلاء، وتلك تربية للنفس على بذل كل شيء من أجل إرضاء خالقها تعالى ومحبته، ليس في الحج وحده، بل في سائر أيام العمر.
ومن أسراره ومنافعه تربية النفس على العفاف والأدب العالي، فإن الله تعالى يقول: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، ما تفعلوا من خير يعلمه الله} ، فإن من أراد أن يعمل بهذه الآية فعليه ألا يتدنى إلى الرفث، ولا يتدنس بالفسوق، ولا ينطق بالفحش، بل ولا يشغل نفسه بالجدل والنقاش الذي لا طائل وراءه، ولا ينظر نظرة مريبة، ومن يلزم نفسه بهذا كله في أيام الحج، فإن أثر ذلك سيبقى له بإذن الله