قال ابن القيم رحمه الله: إن الفجر في الليالي العشر زمن يتضمن أفعالًا معظمةً من المناسك، وأمكنةً معظمةً وهي محلها، وذلك من شعائر الله المتضمنة خضوع العبد لربه؛ فإن الحج والنسك عبودية محضة لله، وذل وخضوع لعظمته ... فالزمان المتضمن لمثل هذه الأعمال أهل أن يقسم الرب عز وجل به )) . [التبيان في أقسام القرآن: 19] .
أيام لا تفضلها أيام غيرها أبدًا، كيف لا وقد روى البخاري في صحيحه عن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: (( مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟ قَالُوا: وَلا الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلا الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ) ).
حق لك - أيها المسلم الصالح - أن تهتف بعد سماع هذا الحديث: الحمد لله الذي متعني بحياتي حتى أدركت هذه الأيام، فإنك ـ وقد أدركت هذه الأيام ـ فقد وهبت نعمة جليلة منَّ اللهُ بها عليك، إذ بلَّغك شرفَ هذا الزمان، ويلَّغَك العلم بشرفه، فما بقي لك إلا أن تشكر الله تعالى عليها شكرًا قوليًّا وشكرًا عمليًّا، فتحيي أيامها بالصيام، ولياليها بالقيام، وسائر أزمانها بالذكر والدعاء.
هذا شأن سلفك الصالح؛ فقد روى سعيد بن جبير ... - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ... عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث بلفظ: (( ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرًا من خيرٍ يعملًه في العشرِ الأضحى قيل ولا الجهادُ في سبيل الله قال ولا الجهادُ في سبيل الله إلا رجلٌ خرجَ بنفسهِ ومالِه فلم يرجعْ من ذلكَ بشيءِ ) )، فكان سعيدُ نعم العاملُ بعلمه، حتى كان إذا دخلت أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه غيره.
أعلمت أيها الموفق للخير ما هذه الأيام؟ إنها الأيام العشر الأول من ذي الحجة، أيام تختم بها شهور حج بيت الله الحرام، وتقع فيها أعظم مناسكه، وهي خير أيام الأشهر الحرم التي اختارها الله من أشهر السنة في قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِـ كَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) }
[سورة التوبة]