ما من شك في أنّ شخصيّة المعلّم لها أثر عظيم في عقول التلاميذ ونفوسهم، فهم يتأثرون بمظهره وبشكله وحركاته وسكناته، وإشاراته وإيماءاته، وألفاظه وسلوكه، ولعل أبلغ ما ذكر عن تأثير المعلّمين في شخصيّة المتعلمين ما رواه الجاحظ من كلام عقبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده قوله: (ليكن أوّل ما تبدأ به في إصلاح بَني إصلاحُ نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينيك، فالحسن عندهم ما استحسنتن والقبيح عندهم ما استقبحت) [1] .
إن المعلّم بحاجة إلى الصفات الخُلقيّة الطيبة، وذلك لأنه المثل الذي يحتذي به الطلّاب ويتأثرون به، فهو المؤثر الفعّال في نفوسهم، وثانيًا لأن مهنة التدريس تحتاج إلى صفات خاصة حتى يصير المعلّم ناجحًا في عمله، ومن أهم هذه الصفات الخُلقيّة ما يلي:
1 -أن يدرس بمقدار كافٍ مبادئ علم الأخلاق والسياسة وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد، وذلك لأن المدرس يخدم المجتمع، ويعدّ الأطفال ليكونوا أعضاء نافعين فيه، ولا يُتصور أن يؤدي دوره بكفاءة إلا إذا عرف نظام المجتمع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ومعاييره الخُلقيّة، حتى يراعيَها وينميها عن طريق العمليّة التربويّة.
2 -يجب على المعلّم أن يكون عطوفًا وليّنًا مع طلابه؛ ليتمكن من شدّ الطلاب إليه، وجلب حبّهم وتقديرهم له، فلا يكون قاسيًا شديدًا مع تلاميذه، كي لا ينفروا منه، ويفقد بذلك احترامهم وثقتهم ومحافظتهم على النظام، على أساس الطاعة والاحترام لا الخوف وسوء المعاملة، قال الله تعالى لمعلّم الإنسانيّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم، ولو كُنْتَ فظًَّا غَلِيْظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِن حَوْلِك) [2] ،ولا ينبغي أن يصل بالمعلّم عطفه ولينه ورحمته إلى درجة يشعر معها الطلاب بضعفه؛ فيؤدي ذلك إلى نتائج عكسيّة غير متوقعة من وراء رحمته وعطفه ولينه، فالمطلوب التوسّط الذي يؤدّي إلى لين في غير تهاون، وأن يستخدم أساليب الثواب والعقاب بطريقة تربويّة مناسبة تؤدّي إلى تقويم سلوك التلميذ ووقايته وعلاجه، وفي هذا المجال يقول سعيد البوطي علاقة المدرس بطلابه (إنّها علاقة أخ
(1) 3 - نقلًا عن أحمد فؤاد الأهواني، التربية الإسلامية، ص 196.
(2) 1 - سورة آل عمران، الآية 159.