والمدرسة المالكية: هي المنسوبة للإمام مالك بن أنس، وتمثلها الجماعة التي اتبعتْه فيما روي عنه وما نقل من أقواله الاجتهادية، أو اتبعت ما أثر عن المجتهدين المقيدين بأصوله من أتباعه المؤهلين للاستنباط، سواء فيما أيدوه فيه أو خالفوه، أو فيما اجتهدوا فيه من المسائل المستجدّة التي لم يسبق فيها نص أو حكم، وإنما كان الاجتهاد فيها بالتخريج أو القياس أو الربط بالقواعد، أو بغير ذلك مما ضبطه علماء أصول الفقه أو اعتبروه أدلّه.
وإفريقية: إقليم بشمال القارة الإفريقية يسمى أيضًا بالمغرب الأدنى، ويليه غربًا المغرب الأوسط ثم الأقصى، ويختلف امتداده الجغرافي في بعض العصور ولكنه في الغالب يمتد من طرابلس شرقًا إلى بجاية أو تاهرت غربًا، وهو ما يعني اليوم: كامل البلاد التونسية مع الجزء الغربي من البلاد الليبية من حدودها التونسية إلى عاصمتها طرابلس مع التخوم الشرقية للبلاد الجزائرية حتى بجاية.
وهذا هو المفهوم الخاص لإفريقية، ولها مفهوم عام يشمل القارة كلها، وليس يهمّنا في هذا البحث إلا الخاص الذي جربنا عليه كلما استعملنا هذه العبارة، وإفريقية بهذا المعنى الخاص قاعدة ملكها هي مدينة القيروان التي أسسها عقبة بن نافع مع الفاتحين في القرن الهجري الأول، وتداول السيادة فيها ولاة الدولة الأموية والدولة العباسية ثم أمراء الدولة الأغلبية (184 - 297) ، ثم الدولة العبيدية (297 - 362) ، ثم الصنهاجية من بني زيري (من سنة 362 - إلى أن استبدلوها بالهدية) وبذلك كانت محنة القيروان لأفول سيادتها، ثم بهجمة الهلاليين المخربين سنة 449.
فالمنطقة الجغرافية للمدرسة المالكية موضوع هذا البحث هي إفريقية، بالمعنى الخاص السالف، بعاصمتها قيروان الفاتحين، وما تبعها من مراكز قديمة النشأة مثل تونس وقفصة وتوزر، وحديثة التأسيس مثل المهدية التي أسسها العبيديون، وأضفت المركز الذي امتزج المدرسة القيروانية، فلا غنى عن اعتباره أحد مراكز إفريقية وإن فصله البحر عنها، فمذهبه مالكي وولاؤه قيرواني، وصلته بمدرستنا وثيقة، والجسر الثقافي بينه وبين القيروان ممتدّ.
والامتداد الزمني لحياة هذه المدرسة زهاء ثلاثة قرون، تبدأ من نشأة المدرسة بدخول المذهب إلى القيروان وتونس، حيث وردت إليهما أخبار إمام دار الهجرة وموطّأه وفقهه، فتبنتا مذهبه الذي لم يلبث أن انتشر في ربوع البلاد الإفريقية، وقد ساعدت على ذلك عوامل يأتي تفصيلها، ونهض بالقيام بهذا المذهب علماء يأتي الحديث عنهم وعن جهودهم المتميزة وتفانيهم في خدمة المذهب ومناصرتهم والذبّ عنه، ومواجهة مناوئيه، وهذا المذهب الذي كوّن عصر ائتلاف بين سكان المنطقة، وحَمَاهم من ضَلاَل المبتدعين، ومن أطماع السلاطين الجائرين المعتصبين.
إن السيادة السياسية للقيروان بدأت من عهد تأسيسها واتخاذها عاصمة لولاة الأمويين ثم العباسيين، وانتهت في منتصف القرن الخامس عندما استهدفت للتدمير وتخلى عنها الصنهاجيون.
وبنهاية السيادة بها تنتهي الفترة التي يتناولها البحث، وما بعد جدير بأن يكون موضوع دراسات أخرى تجلي تطور المذهب بعد هذه الفترة وتكشف عن جهود مدرسة المهدية، وعن جهود مدرسة تونس في العهد الحفصي.