عرفنا ما للطلبة الآخذين عن الإمام مالك بن أنس من أثر في تعريف أهل بيئتهم بالإمام ومناقبه ومذهبة، وذلك بعد إيابهم من الرحلة إلى الإمام والسماع منه والأخذ عن أصحابه والتأثر بما كان يسود البيئة المدنية من توجيه نبويٍّ وما يتناقله رواتها من أحاديث وآثار، وما يجري فيها من عمل متعارف متوارث عن الأجداد راجع إلى عهد النبوّة وزمن الوحي النازل بالمدينة، مبينًا أحكام الدين وشريعة الله.
ولأهل هذه البيئة تعلق بالمدينة، لأنها تضم أحد الحرمين اللذين تهفو إليهما النفوس وهما مهوى أفئدتهم، والمدينة دار الإيمان وأرض الهجرة ومبدأ الحلال والحرام، بها الحرم الآمن، يأرز العلم إليها كما تأرز الحية إلى جحرها [1] ، وبها نشأت أول دولة إسلامية تطبّق شرع الله، وتحتكم إلى دستوره، وتحفظ بيضة الإسلام، وترسل الدعاة إلى الأقطار يفقّهون الناس في دين الله.
ومما رجح المذهب المالكي لدى أهل إفريقية الحديث الذي بلغهم يبشّر بالإمام مالك وينوّه بعلمه، وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم، أو يلتمسون العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة ) ) [2] .
ومن دواعي ترجيح هذا المذهب وانتشاره ما قاله الشمس الراعي الأندلسي: (( كونه مذهب أكثر أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والتابعين لهم في مدينته -عليه الصلاة والسلام- لأنها مهبط الوحي ودار العلم ) ) [3] .
وقد اعتبر أهل العلم المذهبَ المالكي أرجح المذاهب الفقهية حجة، وأقواها أدلّة وأصحها أصولًا وأقومها مسلكًا وأولاها بالاتّباع؛ لأنه يعتمد ما وُرث عن أهل السنة والجماعة بالمدينة، وعن فقهاء المدينة المعروفين بما جمعوا من الأحاديث والآثار، وبما لهم فيها من السند العالي، وبما عُهِدَ عندهم من العمل والإجماع المنقوليْن جيلًا عن جيل، وصولًا إلى المبلّغ الأمين -عليه صلوات الله وسلامه- وإلى من حوله ممن واكبوا الوحي وعرفوا أسباب نزول القرآن وما بيّنه الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومن آياته [4] .
(1) انظر: ترتيب المدارك: 1/ 36، وفاء للسمهودي: 1/ 19.
(2) أخرجه أحمد في مسنده: 2/ 299، والترمذي في جامعة: / 10152، وقال: (( حديث حسن صحيح ) )والحاكم في المستدرك: 1/ 90، والخطيب البغدادي في تاريخه: 5/ 206.وانظر ترتيب المدارك: 1/ 90، والخطيب البغدادي في تاريخه: 5/ 206
وانظر: ترتيب المدارك: 1/ 68 - 69، الانتقاء لابن عبد البر: 19، التمهيد له: 1/ 85، انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك، للراعي: 128 - 129، أوجز المسالك 1/ 14، شرح الزرقاني على الموطأ: 1/ 3 ط حنفي، مصر.
(3) انتصار الفقير السالك: 200 - بتحقيقنا.
(4) انظر: تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، لمحمد شرحبيلي: 115 وما بعدها - ط وزارة الأوقاف بالمغرب.