المطلب الأول: النشأة:
عرفت ربوع إفريقية في عهد الولاة مذاهب تشريعية وافدة من المشرق كالمذهب الحنفيّ، وفي النصف الثاني من القرن الثاني رحلت ثلة من طلبة القيروان إلى المدينة المنورة حيث كان الإمام مالك بن أنس يلقي دروسه، ويروي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأسانيده العالية عن التابعين الآخذين عن الصحابة، ويفتى ويجتهد بمعرفة شرعية ولغوية وأثرية واسعة، معتمدا أصولًا صحيحة من قرآن وسنة وقياس وإجماع واستحسان ومصلحة وعمل جار لدى أهل المدينة، وغيرها.
وكان تلاميذه المدنيّون، والقادمون من مختلف الآفاق يدونون عنه أجوبة المسائل، فتعددت أسمعتهم التي كانت النواة الأولى للمذهب المالكي [1] ، ورويت وانتشرت، وكانت مادة علميّة مكّنت من إثراء المذهب في فترة لاحقة بالقياس والتخريج عليها، وباعتماد الأصول التي انبنت عليها، لاستنباط فروع أخرى منها.
ولئن اشتهر أن هذه الثلة من الطلبة الأوائل القيروانيين الراحلين إلى إمام دار الهجرة للقائه والسماع منه ينيفون عن الثلاثين كما نقل عياض عن ابن حارث [2] فإن الباحث الحسين بن محمد شواط أدّاه استقصاؤه وتتبّعه إلى إثبات: أنهم يبلغون أربعة وأربعين [3] .
هذا وقد تحدث القاضي عياض - (ت 544 هـ) ، مؤرخ المذهب المالكي- عن المذاهب التي عرفتها إفريقية، وعن ترجّح كفة المذهب المالكي بها فقال: أما إفريقية وما وراءها من المغرب فقد كان الغالب عليها في القديم مذهب الكوفيين إلى أن دخل علي بن زياد [4] .
وقد أخذ ابن أشرس [5] ، والبهلول بن راشد [6] ، وبعدهم أسد بن الفرات [7] وغيرهم بمذهب مالك، فأخذ به كثير من الناس، ولم يزل يفشو إلى أن جاء سحنون [8] ، فغلب في أيامه، وفض حلق المخالفين واستقر المذهب بعده في أصحابه، فشاع في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا.
(1) حضور المدونه الكبرى في المؤلفات والحلقات الدراسية المالكية، للشيخ محمد المنوني، ضمن محاضرات ملتقى
الإمام سحنون بالقيروان سنة 1412 ص 80 - ط مركز الدراسات لإسلامية بالقيروان 1993
(2) ترتيب المدارك: 4/ 51
(3) مدرسة الحديث في القيروان: 1/ 305 هامش 8.
(4) أبو الحسن علي بن زياد التونسي العبسي، روى عن مالك والليث وطبقتهما، وسمع منه أسد بن الفرات، والبهلول بن راشد، وسحنون، روى عن مالك الموطأ وكتبًا أخرى، كان ثقة حافظًا أمينا مرجعًا في الفتوى، ورعًا لم يكن في عصره بإفريقية مثله. (-183) . (الشجرة: 60، الفكر السامي 2/ 215) .
(5) أبو مسعود بن أشرس التونسي، ثقة فاضل محدث، له سماع من مالك. (الشجرة 62)
(6) أبو عمر البهلول بن راشد القيروانى، جمع بين العلم والعمل والورع، سمع مالكًا والليث والثوري، وعنه سحنون ويحيى بن سلام. (ت 183 هـ) . (الشجرة: 60 - 62) .
(7) أبو عبد الله أسد بن الفرات بن سنان، مولى ابن سليم، أصله من نيسابور، ودخل مع أبيه في الجيش الفاتح، كان قدومه القيروان سنة 144، وسمع من علي بن زياد الموطأ، وتعلم منه العلم، ثم رحل إلى المشرق فلقي مالكًا وطلب عليه العلم وسمع منه الموطأ، ثم ارتحل إلى العراق، فلقي أصحاب أبي حنيفة، وكتب الحديث بالعراق وتفقه بها، رحل إلى مصر بعد وفاة مالك فأخذ عن أصحابه ولزم ابن القاسم وأخذ عنه"الأسدية"، وقدم بها إلى القيروان فسمعها منه خلق كثير، وانتشرت إمامته، ثم ولي قضاء إفريقية سنة 203، ثم قاد الجيش في غزو صقلية واستشهد محاصرًا لسرقوسة سنة 213 هـ (رياض النفوس 1/ 254 وما بعدها) .
(8) أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن حسان التنوخي، غلب عليه اسم سحنون، فقيه بارع ذو ورع صادق وصرامة في الحق وزهادة في الدنيا، أصله من حمص بالشام، وقدم به أبوه مع الجيش. ولد بالقيروان سنة 260، وتوفى وهو يتولى القضاء سنة 240 هـ يأتي مزيد كلام عنه في المطلب الثاني من هذا البحث. ترجمته ومصادرها في (رياض النفوس 1/ 345 وما بعدها) .