وكان بالقيروان قوم قلة في القديم أخذوا بمذهب الشافعي، ودخلها شيء من مذهب داود، ولكن الغالب عليها إذ ذاك مذهب المدينة والكوفة [1] .
هذا ويعتبر شيخنا محمد الشاذلي أن علي بن زياد كان في الحقيقة مؤسس المدرسة التونسية بأجلى مظاهرها، التي لا تزال إلى اليوم ممتدّة الفروع، ثابتة الأصوال [2] ويقول شيخنا: التكوين الأول للمالكية بإفريقية إنما هو لابن زياد، إذ فتح الأعين على مالك وعرفهم فضله وبيّن أصوله للناس، فالجسر الطويل الذي مر به رجال المدرسة المالكية من بعد إنما هو ابن زياد، فالبذرة الأولى التي بذرت من مذهب مالك هو الذي وضعها في التربة الصالحة. [3]
وإنما رجع الفضل في التأسيس لابن زياد؛ لأنه كان من الرعيل الأول الذي رحل إلى إمام دار الهجرة فأخذ علمه وروى موطّأه، وعلم فروع مذهبه بعد عودته [4] ، ودلَّ طلبته على أعلام المدرسة المالكية المصرية الأولى، مما مهّد للحوار العلميّ بين المدرستين، وللتعاون الذي أتى أكله الطيب، وكان من ثماره تضافر الجهد في إبراز المدونة التي سيأتي الكلام عنها وشيكًا.
وكان علي بن زياد يقيم بمدينة تونس قبل أن تصبح حاضرة إفريقية، وهي إذ ذاك المركز الثاني للمدرسة المالكية الإفريقية بعد القيروان، وكان ينتصب لتدريس المذهب بجامع الزيتونة المعمور؛ وهو إذ ذاك حديث العهد بالتأسيس، فكان علي بن زياد من الروّاد الأوائل من مشيخة الزيتونة [5] التي اعتبرت من أوائل الجامعات الإسلامية التي كانت من أهمّ ركائز النهضة ومنارات الإشعاع العلميّ.
ونضيف إلى من سماهم القاضي عياض من طلبة مالك الإفريقيين المنتمين إلى الطبقة الأولى الآتين.
أبو محرز، محمد بن عبد الله بن قيس الكتاني القيرواني القاضي (ت 214 هـ) . فقد سمع من مالك وروى عنه. [6]
محمد بن معاوية الحضرمي الطرابلسي، لم تذكر وفاته، وسماعه من مالك في ثلاثة أجزاء [7] .
(1) المدارك 1/ 25 - 26.
(2) موطأ الإمام مالك، قطعة منه برواية ابن زياد، مقدمه المحقق ك 29 ط دار الغرب الإسلامي، بيروت 1984 م.
(3) المصدر نفسه: 30
(4) ويؤكد شيخنا النيفر أن ابن زياد ويحيى الليثي مؤسسان للمدرسة المالكية في إفريقية والأندلس، وقد تخرجت منها من الأعلام نفعت بعملها، فلم تنجح الشيعة والصفرية والظاهرية في أن تعمر بإفريقية والأندلس، ولهذا فإن هذين العالمين حريان بأن تشملهما دراسات للتوصل إلى الأسباب الفائقة التي توصلا بها إلى نشر المذهب المالكي الذي اتبعه ملايبن المسلمين.
(1) هكذا نشأت المدرسة المالكية الأولى بإفريقية، وقبلها كانت إفريقية تتلقى علم أهل المدينة من طبقة التابعين وتلاميذهم بواسطة خالد بن أبى عمران التجيبي التونسي (ت 129 هـ) وهو شيخ علي بن زياد العبسي.
(5) أعلام الفكر الإسلامي، لشيخنا محمد الفاضل بن عاشور: 36
(6) الديباج: 2/ 352
(7) رياض النفوس: 1/ 290. وترتيب المدارك: 3/ 323.