فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 49

لقد تأسست المدرسة المالكية الإفريقية مبكرًا، فرأى الإمام مالك بن أنس ولادتها ونشأتها على يد تلاميذه من طلبه القيروان وتونس الراحلين إليه، وبارك عملهم ونوّه بذكائهم، وقد حرص تلاميذ هؤلاء الطلبة على مواصلة الصلة بالمدينة وبأصحاب مالك منها ومن مصر والعراق وازدادت الصلة المدنية دعمًا عبر القرون الثلاثة التي عاشتها المدرسة قبل سقوط سيادة القيروان، فروّاد هذه المدرسة القيروانية وأتباعها يعتقدون جدارة مالك بإمامة المذهب السني السليم، ونزاهته في عقيدته وسعه علمه بالشريعة، وجَمْعه بين الأحاديث والآثار وبين العقل والاجتهاد، وامتيازه بمنهج سلفيٍّ رشيد، وبدفاع عن العقيدة الصحيحة وردّ شبه المبطلين.

ولم يدخر فقهاء هذه المدرسة جهدًا في مناصرة المذهب بمختلف الوسائل المحققة لغرضهم المنشود: ألّفوا ودوّنوا ورووْا الأحاديث والآثار، واستقبلوا طلبه المغرب والأندلس وذاكَروهم وناظروهم واحتفوا بهم في مجالس دروسهم، وحاوروا أتباع المذاهب الأخرى، فإن كانت مذاهب عقدية اشتدوا في محاربتها لقطع دابرها واستئصال بدعها، وكان أشدهم في هذه المحاربة الإمام سحنون، وإذا كانت مذاهب فقهية كان الحوار والمناظرة بما يقتضيه المنهج الإسلامي من استعمال للدليل والتزام آداب الحجاج والمذاكرة.

وقد عرّفتنا كتب التراجم بنماذج من مجالس المناظرة، وسمت الكثير من الكتب الفقهية للمذهب، ومن كتب المناقب المسجلة لفضائل مؤسس المذهب والمترجمة لأصحابه، وللمجتهدين المقيدين بأصول مذهبه.

لقد تطورت الدراسات الفقهية التي احتضنتها في عهد نشأتها ثم في عهد ازدهارها وأثرت مكتبة المدرسة بأنواع المصنفات التي خدمت الموطأ ثم المدونة، وبكتب الفنون التي دعمت فقه فروع المالكية مثل كتب الضوابط والنظائر والنكت والفروق، وامتاز بعض فقهاء المدرسة بغزارة الإنتاج وكثرة المصنفات، بما فيها الموسوعات.

وما لم نسعد بوصوله إلينا من تلك المصنفات الفقهية عرفنا جانبًا منه بواسطة النقل عنه، مما وصلنا من الكتب التي تأكدت أهميتها باحتفاظها بنصوص الفقه النادرة، مثل: (( النوادر والزيادات ) )الذي أفادنا بكثير من نصوص الكتب المالكية التي دخلت في عداد التراث المفقود، مثل: كتب ابن سحنون المهمة وغيرها.

وأسعدنا أن ينصبَّ اهتمام بعض المحققين الذين نفضوا الغبار عن نفائس لهذه المدرسة بالتحقيق والتعليق والدراسة والنشر، وقد رأينا لدار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي (الإمارات العربية المتحدة) اهتمامًا ببعض هذه النفائس، واستبشرنا بما وعدت الدار بإنجازه في هذا النطاق خدمة للمذهب وتعريفًا برجاله، وأداء لرسالة علمية تأكدت أهميتها وحاجة نهضتنا إليها.

هذا ولئن كان لمحنة القيروان في منتصف القرن الخامس أثر في نهضتها وعمرانها، فإن همة علمائها لم تفتر، وإن كان بعضهم غادر القيروان ونزل ببعض المدن الإفريقية الأخرى مثل الشيخ عبد الحميد الصائغ (ت 486 هـ) نزيل سوسة، وتتجلى جهودهم العلمية بعد المحنة المذكورة في العطاء الفقهي لعبد الخالق السريري (ت 460 أو 462 هـ) ، وعبد الله بن يحيى الشقراطسي التوزري (ت 466 هـ) ، وابن الصائغ (ت 486 هـ) المذكورة، وأبي الحسن على اللخمي الربعي (ت 476 هـ) نزيل صفاقس صاحب (( التبصرة ) )ومحمد بن سعدون البلوي (ت 486 هـ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت