رأينا في المبحث الخامس جهود علماء المدرسة الإفريقية في المناصرة العلمية لمذهبهم الفقهي، وذبّهم عنه، ودعمهم له بالحجج والمصنفات وبالتعليم والتدريس، حتى ساد المنطقة، وسرت جذوره في أعماق تربة ثقافتها.
ونشير في هذا المبحث إلى نوع آخر من المناصرة، قام به علماء هذه المدرسة، وذلك عندما واجهتهم موجات تعصب مذهبي في العهد ألأغلبي (184 - 296 هـ) ثم في العهد العبيدي (297 - 362 هـ) .
وفي العهد الأغلبي دار الصراع بين الحنفية والملكية، وتحول (من خلاف فقهي بين مذهبين سنيين إلى خلاف في [بعض] الأصول والعقائد والمبادئ) [1] . وكان اتجاه العامة نحو علماء المالكية، فكانوا يسعدون بولاية قاض مالكي، فكانت المالكية أقرب إلى الشعب، وأحظى بثقة الناس وجعل الأمراء الأغالبة منصب القضاء متداولًا بين رجال المذهبين، فإذا تولاه مالكيٌّ ناصر الاتجاه السنيَّ وشرد أهل البدع، وأصلح ما أفسد القاضي الحنفي قبله [2] .
وممن امتحن في هذا العهد الأغلبي الإمام سحنون وابنه محمد [3] .
وما أن استولى العبيديون على الحكم بإفريقية سنة (297 هـ) وبنوا دولتهم على أنقاض دولة الأغالبة التي أقل تجمعها وانطوى بساط حكمها حتى اندلع صراع شديد بين علماء السنة، وهم أعلام مدرستنا المالكية الإفريقية (موضوع بحثنا) وبين رجال السلطة للدولة العبيدية التي ناوأت السنيين العداء واضطهدت علماءهم بألوان من التنكيل والتضييق، وحاولت قَطْع دراساتهم الفقهية المالكية.
يذكر المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب أن الفاطميين أظهروا نحلتهم الشيعية علانية وأمروا بتعطيل تعليم أصول الشريعة على مذاهب السنة ومنعوا شيوخ القيروان من إلقاء دروسهم [4] .
وأفادنا أبو بكر المالكي عند الترجمة لأبى بكر بن اللباد القيرواني (ت 333 هـ) أن هذا الفقيه (( لم يزل ممنوعًا من الفتوى والسماع واجتماع الطلبة حوله إلى أن توفي ) ).
ثم يقول المالكي: (( كان أبو محمد بن أبي زيد وأبو محمد بن التبّان الفقيهان وغيرهما يأتون إليه في خفية، وكانوا ربما جعلوا الكتب في أوساطهم وحجرهم حتى تبتلَّ بعرقهم خوفًا منهم على أنفسهم من بني عبيد أن ينالوهم بمكروه ) ) [5] .
ومن صور ظلم العبيديين أن عبيد الله المهدي قتل سنة 309 الفقيه حسن بن مفرج والزاهد محمد الشذوني؛ لأنه بلغه أنهما يفضلان بعض الصحابة على عليٍّ [6] .
(1) انظر: تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي لمحمد شرحبيلي: 109 - ط وزارة الأوقاف بالمغرب 1421. وانظر:: إفريقية في عصر الأمير إبراهيم الثاني الأعلى لممدوح حسين: 71
(2) تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي: 105 وما بعدها.
(3) انظر: ترتيب المدارك: 69/ 3 وما بعدها. واقرأ كتاب المحن لأبي العرب
(4) ورقات حسن حسني عبد الوهاب: 1/ 108.
(5) رياض النفوس: 1/ 287 - 288.
(6) البيان المغرب: 1/ 187.