ويشير القاضي عياض إلى تفاقم الأمر وقسوة المحنة على أهل القيروان فيقول: (( كان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد في حالة شديدة من الاهتضام والتستر كأنهم ذمة، تجري عليهم في كثرة الأيام محن شديدة، ولما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينًا الأعمى السباب -لعنه الله تعالى- في الأسواق للسب بأسجاع لقنها يتوصّل منها إلى سب النبي -صلى الله عليه وسلم- في ألفاظ حفظها، وعلقت رؤوس الأكباش والحمر على أبواب الحوانيت عليها قراطيس معلقة مكتوب فيها أسماء الصحابة -اشتدَّ الأمر على أهل السنة، فمن تكلم أو تحرك قتل ومثّل به ) ) [1] .
أدى هذا الاضطهاد العبيدي إلى المقاومة والثورة، ودفع إلى مؤازرة أبي يزيد مخلد بن كيداد الخارجي في تمرده على العبيديين، وكان يعلن اتجاهه السني ويخفي حقيقة أمره، فشارك كثير من العلماء القيروانيين في حملته ضد الشيعة، وخاضوا معركة ضاربة على أسوار المهدية سنة 333 هـ [2] ، وكانت المهدية قاعدة دولة بني عبيد أسسوها سنة 308 هـ وانتقلوا إليها من القيروان التي لفظهم أهلها وجاهرهم كثير منهم العداء.
محص الله علماء المالكية في المعركة المذكورة، وكان من بين شهدائهم فيها: الفقية أبو الفضل عباس بن عيسى الممسي (ت 333 هـ) ، وقد (( استشهد معه خمسة وثمانون رجلًا كلهم فاضل خير في حرب بنى عبيد مع أبى يزيد، فالتقوا بالوادي المالح، فقتل في التحام القتال ولم توجد له جثة ) ) [3] كما قال المالكي.
وتواصل بعد هذه المعركة ابتلاء رجال المدرسة، واستمروا في مقاومتهم الباسلة، ومن ذلك أن الفقيه أبا إسحاق إبراهيم السبائي (ت 356 هـ) كان (( لا يزال سلاحه في بيته لقتال بني عبيد مع كل بر وفاجر من المسلمين ) )وكان ملازمًا داره منعزلًا عن المجتمع طيلة ثلاث وعشرين سنة [4] .
ومما أوجبه المعزّ لدين الله الفاطمي على أئمة المساجد والمؤذنين أن يضاف في كل أذان (( حيَّ على خير العمل ) )كما أمر بمخالفة أمور كانت جارية في القيروان على مقتضي المذهب المالكي في العبادة [5] .
ولقد سجل تاريخ المدرسة صمودَ كثير من رجالها في التشبث بمذهبهم وثبات موقفهم في صراعهم مع الشيعة طيلة فترة الامتحان.
فهذا أبو إسحاق بن البرذون يُدْعى للرجوع عن مذهبه قبيل قتله، فيقول: (( أعن الإسلام تستتيبني؟! ) ).
وهذا أبو محمد بن التبان يناظر دعاة العبيديين ويفحمهم بين يدي أميرهم عبيد الله الشيعي، فيدعوه الأخيرة إلى بيعته فيجيبه بقوله: (( شيخ له ستون سنة يعرف حلال الله وحرامه ويرد على اثنتين وسبعين فرقة يقال له هذا؟ لو نشرت بين اثنين ما فارقت مذهب مالك ) ) [6] .
وهذا الفقيه جبلة بن حمود المرابط بقصر الطوب، يترك الرباط ويسكن القيروان مبررًا ذلك بقوله: (( كنا نحرس عدوًا بيننا وبينه البحر فتركناه وأقبلنا على حراسة هذا الذي حل بساحتنا؛ لأنه أشد علينا من الروم ) ) [7] .
(1) ترتيب المدارك: 5/ 303.
(2) انظر: البيان المغرب لابن عذاري: 1/ 217 - 218، الكامل لابن الأثير: 2/ 525، شجرة النور - التتمة: 122.
(3) رياض النفوس: 1/ 292 - 293.
(4) معالم الإيمان: 3/ 73.
(5) البيان المغرب: 1/ 223.
(6) المصدر نفسه: 6 255.
(7) رياض النفوس: 2/ 27.