بمثل هذا الصمود استمرَّ أهل القيروان على مذهب مدرستهم و (( بقيت عامة القيروان ما يقرب من مائة وخمسين سنة على مذهب أهل السنّة والجماعة وفقهاء المدينة لإجماع علمائهم على بدعتهم ) ) [1] -أي الشيعة-.
ويقول ابن ناجي: (( جزى الله مشيخة القيروان: هذا يموت، وهذا يضرب، وهذا يسجن، وهم صابرون لا يفرون، ولو فروا لكفرت العامة دفعة واحدة ) ) [2] .
واستطاعوا التمكين لمذهبهم، وكان ذلك من الحوافز التي دفعت بالفاطميين إلى الرحيل عن إفريقية سنة 362 وقد نصبوا الزيريين في حكم البلاد، لاشتهارهم بالولاء للشيعة، ورغم أن أميرهم المعز بن باديس (407 - 453) واصل مضايقاته للمشيخة المالكية فإنهم واصلوا مقاومة نحلته وذبوا عن مذهبهم، ومن أبرزهم أبو علي بن خلدون (- 417) الذي وصف بأنه (كان شديدًا على أهل البدع والروافض مغريًا بهم، يستند منه أهل السنة إلى ملجأ ووزر وقد دبر المعز قتله سنة(407 هـ) فارتجت البلاد لذلك )) [3] .
هذا: وقد نوّه الدباغ بموقف أهل القيروان من المحن التي سبرتهم ومحصتهم في العهد الأغلبي ثم في العهد الزيري، وكان مما قال: (( الذي كان أهل القيروان عليه قديمًا من قوة الإيمان بالله، والانتصار للحق والصبر على الأذى في الله، والجهاد لإعزاز الدين، والقيام بالرد على أهل الأهواء بالدلائل القاطعة والحجج الدامغة لتثبيت عقائد عامه الموحدين، فقد ناضلوا بالسيوف، وجادلوا باللسان في تقرير الدين وتثبيت قواعد اليقين ... ولم يزل أهل القيروان في جهاد الفرق الضالة والفئة المارقة، ولم يزل الشيخ الأوحد أبو عثمان سعيد بن الحداد(ت 2. 3 هـ) وأبو محمد عبد الله بن إسحاق التبان يناظران على مذهب أهل السنة، ويرون ذلك من أعظم الجهاد حتى أخمد الله نارهم، وقل عددهم، وظهر حزب الحق وأعلى الله كلمته )) [4] .
كان هذا الانتصار الذي أحرزه المالكية من عوامل تخلي الزيريين عن النزعة الشيعية، وضعف ولائهم للدولة الفاطمية بمصر وفي سنة (435 هـ) أظهر المعز الدعاء للدولة العباسية، وخطب باسم الخليفة العباسي القائم بأمر الله [5] ، ثم تطور الأمر إلى عداء الفاطميين ونقد مبادئهم وسبهم في المساجد [6] .
ولم تفلح محاولات الخليفة الفاطمي المستنصر إعادة المعز للطاعة ومال إلى معاقبته، فبعث بأفواج من قبائل بني هلال وبني سليم الذين كانوا يسكنون بالضفة الشرقية للنيل، مسببين مشاكل وقتها لحكام مصر، بعثهم لنهب إفريقية وتقويض أمنها، وبدأ هجومهم سنة (442 هـ) وانتهى باحتلالهم القيروان سنة (449 هـ) فانتقلت الدولة الزيرية إلى المهدية بعدما حل بالقيروان من دمار وخراب وعطلت التجارة بها، وتوقفت الزراعة بريفها.
إنها محنة بددت شمل الأهالي وحملت بعض علمائها على الهجرة منها وأصابت حضارتها وأضعفت نشاطها العلمي.
(1) فتاوى البرزلي: 6/ 187.
(2) نقلًا عن تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي: 112.
(3) ترتيب المدارك: /: معالم الإيمان: 3/ 151 - 154.
(4) معالم الإيمان: 1/ 24 - 25.
(5) الكامل لابن الأثير: 9/ 521.
(6) البيان المغرب لابن عذاري: 1/ 277 - 278