فهرس الكتاب
وسئل الإمام الحسن البصري: ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهًا؟
فأجاب قائل ًا: «لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورًا من نوره» [1] .
فإذا كانت الآخرة ظهرت ثمرات قيام الليل فيما أعده الله لأصحابه من نعيم مقيم، وذلك بصورة تفوق سائر أعمال الطاعات، كما ورد عن بعض العارفين أنه رؤي بعد وفاته في المنام فسئل، فقيل: ماذا فعل الله بك؟ وقد كان من مشاهير العلماء.
فأجاب قائلًا: «طاشت العلوم، وضاعت تلك الرسوم، ولم ينفعنا إلا ركعات كنا نركعها بالليل» .
وهذه الخيرات كلها تفوت المفرطين في هذه النافلة العظيمة.
ومع فوات هذا الخير ينالهم الذم، ويوصفون بالتقصير؛ فقد ورد في الصحيحين من حديث عبد الله رضي الله عنه قال: ذكر عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل نام ليلة حتى أصبح، فقال عليه الصلاة والسلام: (( ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه ) )، أو قال: (( في أذنه ) ) [2] .
والمراد بقوله: (( بال الشيطان في أذنيه ) )أي سخر الشيطان منه وظهر عليه وتحكم فيه، حتى نام عن طاعة الله عز وجل، وخُصت الآذان بالذكر؛ لأنها حاسة الانتباه [3] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن الله يبغض كل جعظري جواظ [4] ، سخاب في الأسواق [5] ، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة ) ) [6] .
(1) إحياء علوم الدين (4/ 636) .
(2) أخرجه البخاري (1/ 200) ، كتاب التهجد، باب: إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنيه، وأخرجه مسلم، واللفظ له (1/ 537) ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما روي فيمن نام الليل كله أجمع حتى أصبح.
(3) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 64) ، طبعة المطبعة المصرية ومكتبتها.
(4) جعظري جواظ: الجعظري هو الفظ الغليظ المتكبر، والجواظ: الجموع المنوع ـ هكذا في النهاية مادة (جعظ) ، ومادة (جوظ) .
(5) سخاب في الأسواق: السخب والصخب بمعنى الصياح، هكذا في النهاية، مادة (سخب) .
(6) أخرجه البيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 144) .