فهرس الكتاب
(10) وأما الاستغفار بالأسحار: فإنه يعقب قيام الليل، ولذا ذكره الله في إثره في معرض الثناء على المتقين، فقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 15ـ 18] ، والسحر هو السدس الأخير من الليل.
وفي علة استغفار المتقين بالأسحار- رغم الثناء عليهم بأنهم يقومون معظم ليلهم لله ولا ينامون منه إلا قليلًا - هو شعور هؤلاء المتقين رغم اجتهادهم في طاعتهم لربهم أنهم مقصرون في حق خالقهم، فيبادرون إلى الاستغفار.
يقول الإمام النسفي في تفسيره: «وصفهم بأنهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم» [1] .
كما ورد الثناء على المستغفرين بالأسحار في آية أخرى من كتاب الله تعالى في سياق الحديث عمَّن خصَّهم الله تعالى بالنعيم المقيم في الآخرة، وفي ذلك يقول ربنا: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] .
(11) إن الأسحار، كما ورد في كثير من الأحاديث، هي من أفضل الأوقات التي تستجاب فيها الدعوات، وتهبط فيه الرحمات، وتكثر فيها النفحات.
وقد مرّ بنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن ) ) [2] .
وفي الدلالة على هذا المعنى أيضًا سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي الدعاء أسمع؟ قال: (( جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات ) ) [3] .
(1) تفسير النسفي (4/ 184) ، طبعة عيسى.
(2) سبق تخريجه.
(3) أخرجه الترمذي وحسنه (5/ 526) ، كتاب الدعوات، باب رقم (79) منه.