فهرس الكتاب
وقال الإمام سفيان الثوري رحمه الله: «إن الله تعالى خلق ريحًا تهب بالأسحار، تحمل الأذكار والاستغفار إلى الملك الجبار» [1] .
وتحدث الإمام الجليل شمس الدين ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين) [2] عن منزلة المحبة بين العبد وربه، وبعد أن ساق كلامًا طيبًا في أهمية تلك المنزلة، وتنافس الصالحين فيها، بيَّن الأسباب الجالبة لتلك المحبة، فكان فيما قال: (الثامن ـ أي من تلك الأسباب ـ: الخلوة بالله تعالى وقت النزول الإلهي [3] لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم خَتْمُ ذلك بالاستغفار والتوبة) .
(12) لأجل ذلك اغتنم الطائعون هذه الأوقات، وربما ادخروا بعض ما يريدون سؤاله لله ليقع منهم في هذه الساعات المباركة.
ففي الدلالة على الشق الأول ورد أن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع هل أسحرنا؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح [4] .
ولئن كانت هذه حادثة عين تخصُّ صحابيًا جليلًا هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فإن الثابت في حق غيره من الصحابة أنهم كانوا كذلك حريصين على نفس الترتيب، حتى قيل في وصفهم: (كانوا رهبانًا بالليل، فرسانًا بالنهار) ، وكان دويُّ القرآن يسمع من بيوتهم في ظلمة الليل كدويّ النحل، وقد قال الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه: (كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرَّة) [5] .
(1) رسالة أيها الولد لأبي حامد الغزالي ص114.
(2) المرجع المذكور (3/ 13) ، طبعة أولى سنة 1982م، دار التراث العربي.
(3) ورد في حديث سبق ذكره أن هذا النزول الإلهي يكون في الثلث الأخير من الليل.
(4) تفسير ابن كثير (1/ 353) .
(5) نفس المرجع والصفحة.