الصفحة 17 من 39

ففي قوله: (كنا) بالجمع ما يدل على أن هذا لم يكن ترتيبًا يخصُّ فردًا أو أفرادًا قليلين، بل كان سلوكًا عامًّا في حياتهم.

وفي الدلالة على الشق الثاني؛ ورد أن نبي الله يعقوب عليه السلام لما قال له بنوه: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} قال لهم: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: 97، 98] ، قيل في سبب تأخيره الاستغفار لهم أنه أخرهم إلى وقت السحر [1] .

(13) فإذا لم يبادر المسلم إلى اغتنام هذه الأوقات بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار فهو من الغافلين المحرومين.

يقول الإمام سفيان الثوري رضي الله عنه: (بلغني أنه إذا كان أول الليل نادى مناد: ليقم القانتون، فيقومون كذلك يصلُّون إلى السحر، فإذا كان عند السحر نادى مناد: أين المستغفرين؟ فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون فيصلون، فيلحقون بهم، فإذا طلع الفجر نادى منادٍ: ألا ليقم الغافلون، فيقومون من فُرُشهم كالموتى نُشِروا من قبورهم) [2] .

وقال لقمان الحكيم لابنه: (يا بني، لا يكن الديك أكيس منك «أي أعقل» ، ينادي بالأسحار وأنت نائم) [3] .

(14) وبعد أن تعرَّفنا فيما سبق على فضل التهجد بالليل والاستغفار بالأسحار ننظر في دور التبكير في النوم والإعراض عن السهر في تحصيل هاتين الفضيلتين.

إن التهجد الذي نتحدث عنه لابد وأن يسبقه نوم حتى يصحّ إطلاق هذا الاسم عليه.

جاء في لسان العرب: (وأما المتهجد فهو القائم إلى الصلاة من النوم، وكأنه قيل له متهجد؛ لإلقائه الهجود عن نفسه) [4] .

(1) تفسير ابن كثير (1/ 353) .

(2) تفسير القرطبي (3/ 12819، تفسير سورة آل عمران، طبعة دار الشعب.

(3) المرجع السابق ص1282.

(4) لسان العرب (1/ 4616) ، مادة: هجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت