وما يقال عن آبائنا وأجدادنا من تمتعهم بموفور الصحة بسبب هذا التبكير في المنام واليقظة، نراه واقعًا في حياة الكثير من أهل أوربا وأمريكا واليابان وغير ذلك من الدول، حيث يلجأ هؤلاء إلى النوم المبكر ليتمكنوا من مباشرة أعمالهم مع بداية كل يوم قبل أن تشرق الشمس، وقد انعكس هذا الترتيب على الكثير من أمور حياتهم، ومن بينها مسألة الصحة هذه، فهم أكثر منا شبابًا، وأقوى منا حيوية، وأقدر منا على العطاء لأنفسهم وبلادهم.
(9) فإذا خالف الإنسان هذا الترتيب الإلهي، وانقلبت في حقه الموازين، فصار يسهر في الليل إلى أوقات متأخرة، وينام أغلب نومه في النهار، فإن ذلك من شأنه ـ إلى جانب حرمانه من الآثار الطيبة المشار إليها سابقًا ـ يعرِّض جسده وصحته للدمار.
يقول الإمام ابن القيم: (أربعة تهدم البدن: الهم، والحزن، والجوع، والسهر) [1] ، وجاء في كتاب «من كنوز الطب العربي» [2] تحت عنوان (الوصايا العشر في الصحة والعافية) في الوصية الثامنة: احذر المهلكات الثلاث: (1) السهر (2) الهم (3) كثرة السفاد (الجماع) .
هذا في ضرر السهر على الصحة، وأما ضرر النوم أثناء النهار لتعويض ما فات في الليل، فيقول عنه الإمام ابن القيم: (نوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة، إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار، وأردأ منه النوم آخره بعد العصر ... وقيل: نوم النهار ثلاثة: خُلُقٌ، وخُرْق، وحمق. فالخلق: نومة الهاجرة، وهي خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والخرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا والآخرة، والحمق نومة العصر.
قال بعض السلف: من نام بعد العصر، فاخْتُلسَ عقله، فلا يلومن إلا نفسه. وقال الشاعر:
(1) زاد المعاد، ابن القيم (4/ 412) ، الطبعة السابعة سنة 1985م، مؤسسة الرسالة ـ بيروت، بتحقيق شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط.
(2) المرجع المذكور، على غلاف الكتاب، محمد عزت عارف، طبعة خامسة، بدون تاريخ، مكتبة الإصلاح بجدة.