الموضع الرابع
- (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) [1] .
والشاهد في الآية حذف الياء من الفعل (نبغ) والمعهود عليه (نبغي) ولا تحذف الياء منه إلا في حالة جزمه. فما السر في حذفها هنا؟!.
نلاحظ أن السياق الواردة فيه هذه الآية سياق حواري، حوار العبد الصالح مع سيدنا موسي - عليه السلام- وموضوع الحوار عبارة عن أشياء غيبية، بل إن سيدنا موسي لم يطلب مصاحبة العبد الصالح إلا طلبا لما عنده من علم امتن الله به عليه.
فحذفت الياء دلالة علي غيبية هذه الأمور، بل إن المعروف عن حرف الياء أنه حرف مد، وكما عرفنا من سياق تبرئة العبد الصالح نفسه أن ما فعله ليس بغيا، فحذفت الياء حسرا لما ظنه سيدنا موسي بغيا، فالامتداد في الصوت يعطي اليقينية والتأكيد، أما حسره فيخففه كما بينا.
الموضع الخامس
- (فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) [2]
والشاهد في الآية هو حذف الياء من الفعلين (أتمدونن و آتان) والمعهود في كتابتهما (أتمدونني و آتاني) فما السر في ذلك؟!.
نلاحظ أن السياق هنا سياق استفهام، بل إنه ليس استفهاما عاديا بل استفهام إنكاري توبيخي، فسيدنا سليمان يستبعد نفسه عن أن يقبل مثل هذه الهدية، وما يحمله قبوله لها من معان لا يرضي بها أبدا لنفسه، إضافة إلي المعاني التي تحملها هي في ذاتها، فهو يستبعد نفسه عن كل ذلك، فحذفت الياء العائدة عليه موحية بذلك وعن مدي استنكاره الشديد.
أما الفعل آتان فوجه الحذف فيه استبعاد سيدنا سليمان نفسه عن الفردية، فالله - عزوجل - أعطاه، فهذا لا يعني أنه الوحيد والمميز، بل قد يوجد من هو أفضل منه في الطاعة ومن ثم أفضل منه في هبة الله - عزوجل له - بل إن المعني قد يتعدي أكثر من ذلك بكثير، فالسياق سياق مقارنة بين عطائهم له وعطاء الله له،
(1) الكهف /آية 64
(2) النمل/ آية 36